وعي يشكل قوة إرادة ومفهومًا معرفيًا في حوار حيوي للخيميائي ..

قراءة في رواية الخيميائي

ضحى عبدالرؤوف المل

أيقظني من غفلة في الصفحة الأخيرة، فوضعت كفي على خدي وتجمدت! كأنه نقلني إلى مجرة لا شمس فيها! في رؤية معاكسة للصحراء التي صورها في لقطات احترافية، وكأنني لم ألاحظ من قبل جمال الصحراء وقوة تقلبها: "لأن الصحراء امرأة متقلبة الأهواء، فهي تجعل الرجال مجانين أيضاً." والترحال فيها ممتع ومغامرة لا تخلو من التفكر والحكمة، فالتعلم بالاكتساب هو أقوى أنواع التعلم الحياتي: "أستطيع أيضًا أن أتعلم من الصحراء، فهي تبدو لي أكثر شيخوخة وأكثر حكمة." فالكنيسة المهجورة التي انهار سقفها منذ زمن بعيد موجودة في بقعة ما من العالم، وقد تكون في الصحراء العالية التي تقع قرب ولاية كاليفورنيا! وقد تكون صومعة كنيسة الملك حيث موهف أو (موهافي)، أو في قول الشاعر:

"من كثر حواتم العرب ما استدليت.. إلا على الموهف صياف تعرفه كل الأضياف."

براعة عنوانية مأخوذة من كلمة ارتبطت بمفاهيم متعددة، فهي تعتمد على تفسير الظواهر الطبيعية وعلم المعادن والرموز. فالكلمة في حد ذاتها كنز مدفون في قاموس الحياة بدءًا من هرمس الحكيم وحتى إسحاق نيوتن، ومن ألعاب الفيديو حتى الأعمال الأدبية لدونا بويد "الخيميائي"، وصولًا إلى القصة القصيرة التي كتبها هوارد لافكرفت "الخيميائي". وفي تعريف لباولو:

"الخيميائيون: رجال نذروا حياتهم كلها في تنقية المعادن في مختبراتهم إلى أن لاحظوا ذات يوم أن تقنية المعادن كانت تطهر نفوسهم.. الخيميائيون يتوصلون إلى تحقيق هذا التحول، ويبينون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه فإن كل شيء حولنا يتحسن." فهل يسعى العالم العربي لهذا؟ أم أنه اكتفى بقول الزعيم:

"لست غبيًا للحد الذي يجعلني أجتاز الصحراء كلها، فقط لأنني حلمت بالحلم نفسه مرتين." فهل الحلم مرتين هو "إن عدتم عدنا"؟

سرد روائي غني بالرؤى التي تتناول الأسطورة الشخصية كدافع حقيقي للحياة، قيمة جوهرية للغة كونية يتنبأ بها، وعن وعي فلسفي يحدد وجود الفرد في الكون بصفات جوهرية خيميائية ليعيد بها بناء الوجود البشري، فيخفف من حدة النزاع لتأمين عيش حقيقي مرتبط بالقدر والمكتوب، فكل شيء يتجلى في شيء واحد، والسيطرة على مجرى الحياة يستحيل في بعض الأحيان، لكن:

"عندما يصمم المرء على تحقيق شيء ما فإن العالم كله يتضافر في صالحه." و"كل شيء منقوش في النفس الكلية وسيبقى فيها إلى الأبد."

يقول تزفتان تودورف:

"في الأدب لا نواجه أحداثًا أو أمورًا في شكلها الخام وإنما نواجه أحداثًا معروضة بطريقة ما وتتحدد جميع مظاهر أي شيء بالرؤية التي تقدم لنا عنه." فسنتياغو شخصية متعددة الرؤى، لأن كل قارئ قد يرى فيه وجهًا ما! كما رأت البحيرة في عينيه انعكاسًا لحسنها! فالخيميائي ربما هو جابر بن حيان! والتفاعل الكيميائي! هو ما تكلم عنه إسحاق نيوتن، والتناغم مع الله! هو وعي كوني لتخاطب اللاوعي مع الذات ومع الأديان قاطبة، والحلم هم مستوى روحي عفوي متعلق بالحمض النووي الأساسي للبشرية، والترحال هو ما عرفناه مع لوقيان السوري، أما الخيميائي ما هو إلا إيحاء للخضر عليه السلام أو لإبراهيم الخليل أو لحكيم متصوف وربما هو يوشع بن نون. "لكن الصبر هو الفضيلة الأولى التي يتعلمها الراعي"، فهل يقصد الراعي الصالح؟

سررت بالكلمات التي كانت تتساقط هنا وهناك، ففتحت خانة صغيرة لأمسك ببعض المفردات التي كتبتها بخط رفيع لأعرف ماهيتها: المدرسة "الأكليريكية، أسطورة شخصية، القوى الخفية، النفس الكلية، خط المبتدئ، المبدأ المناسب، حجر الفلاسفة، لوح."

يقول باولو كولو:

"إذا أنصتَّ إلى قلبك ستعرف تمامًا ما الذي يجب عليك فعله على الأرض. عندما كنا أطفالًا كنا نعرف كل شيء، لكن بما أننا نخشى الإخفاق وعدم النجاح في تحقيق أحلامنا، نمتنع عن الغصغاء لقلوبنا."

ترميز فكري: الأول منطقي تحليلي، والآخر نظري يرضى بالقناعة التي تخفف من الطموح وربما تلغيه.

"وأخشى أن أحقق حلمي، ثم أفقد كل رغبة بأن أبقى حيًا، أما أنت.. فإنك تحلم بالأغنام، وبالأهرامات، أنت لست مثلي لأنك ترى تحقيق أحلامك، أما أنا، فكل ما أريده هو أن أحلم بمكة." فهل الخيال والعقل والمنطق هو ثقب تختفي فيه الأنواع الفكرية البشرية؟ أم أنه يصور أزمة وجودية لا تؤمن أن أصل كل شيء واحد؟ وأن فاطمة هي أساس الحياة التي يجب تنقيتها لتقدم لنا جيلًا أصيلًا جديدًا.

تم نشره عام 2014 في جريدة الإنشاء طرابلس