فن تصويري حكائي

ضحى عبدالرؤوف المل

يسرد «أنطونيو سيغي» بسخرية فنية تشكيلات تحمل نفحة من بوب آرت، ومن الحياة اليومية ما هو ساذج وواقعي وخيالي. ليقدمها كتصميمات لمشاهد كوميدية لا تخلو من هزليات متكررة ذات وجوه متعددة كاريكاتيرية، وشخصيات نمطية تضعنا تشكيليًا أمام محادثات إيحائية وحوارات إيمائية توحي بتفاصيل إنسانية يومية، وانتقادات اجتماعية محببة فنيًا. فهو يصور شخصيات قصصية تسرد الوقائع التعبيرية من خلال الحركة الكرتونية أو الكاريكاتيرية، والألوان التشكيلية الصاخبة المتوهجة، والمتناقضة حيث المعنى الظاهر في الأسلوب التقني للون، والشكل والحجم، والفراغ، والضوء، والخطوط المشدودة نحو اللون، وكأن «أنطونيو سيغي» يصرخ حسيًا بواسطة قلم حبر أو فرشاة أو ما إلى ذلك من وسائل فنية استخدمها في سرده التشكيلي الساخر «هكذا نحن في هذا العالم». شوارع، مدن، أبنية، شخوص هزلية، كرتونيات بصرية تعيدنا تشكيليًا إلى أسس حياة مليئة بالضجيج، فالفن التصويري عند «أنطونيو سيغي» لغة يقدمها ضمن لوحات يحاكي من خلالها المجتمعات المعولمة، والصارخة بالتكاثر والازدحام، والروتين الحياتي المؤدي إلى جمود الإنسان، ووضعه ضمن ممرات وأشكال، وكائنات تتكرر في كل زمان ومكان، وكأنه يتعالى بالإنسان فوق جمود المادة. ليتخطى بذلك كل حركة تأخذ منه ذاته، وتجعله كرجل آلي مبرمج يندفع كلاسيكيًا ضمن نظام يومي يسرق منه جمال الحياة، بل ونظامها الطبيعي المفقود من لوحات لا نرى فيها إلا الأبنية والشخوص والمحادثات التقليدية اليومية.

يبني «أنطونيو سيغي» فكرة لوحته على وهمية الحدث، وقصة مشهد تبدأ من أناقة مبالغ فيها، وصولًا إلى ما يشبه المهرج، فخليط الأشكال يثير دهشة العين التي تحاول متابعة شخوصه إلى ما لا نهاية، ومن ثم تحاول رسم المشهد ذهنيًا من جديد، فالألوان الزاهية المشرقة بالضوء، والمزدانة بالأمل تدفع الحواس بعيدًا لتفتش عن الأشجار والزهور في لوحاته المصممة بصرامة وقوة فنية، تجعل منها مقروءة كنص سردي تعبيري ينتقد من خلاله المجتمعات الكبيرة، وانعكاساتها البنائية على الإنسان. ليحاول «أنطونيو سيغي» بذلك تفكيك الإنسان ليعيده عبر الأزمنة إلى أماكن هي نفسها في كل مرحلة، فافتراضية الحركة لشخوصه بين الأبنية هي اختراق للماضي والحاضر، لتتكون المستقبل متشابكًا أيضًا، ولكن محاولًا تقديم نظرة ساخرة عن ذلك بلغة فن تصويري يحمل هموم الإنسان المعاصر والمعولم افتراضيًا.

تتدافع شخوص «أنطونيو سيغي» التصويرية في مشاهد ذاتية تبتعد عن موضوعية اللقطة المشهدية الجافة تعبيرًا، وتضع المتلقي أمام الانتقادات السخية هزليًا وجهًا لوجه لأجواء المدن، وسخافة الضغوطات الحياتية التي نرزح تحت عبئها، لنحافظ على المظاهر من مفاخر الثياب، وما إلى ذلك من مجاملات حسية ومادية تسلب منه متعة الحياة، وتتركه وسط دراما تعيد نفسها بنفسها في كل حين، فالتناقض والتضاد في الحركة هو نوع من التقارب والتباعد، والتكرار، والسيمترية لتختزن اللوحة ذاكرة شعب منهك افتراضيًا أو بالأحرى مجازيًا، لأن حجم الإنسان المتقلص أمام الأبنية أو الضخم بالنسبة للأبنية ما هو إلا مشهد حي متخيل ضمن بانوراما أو فانتازيا تشكيلية هي هزلية من حيث المبالغات في الأحجام المتناقضة والتضاد اللوني المتغاير ضوئيًا تبعًا لحركة المتلقي واتجاهاته. ليوهم الحس بالحركة المتزامنة مع المحاكاة اللونية التي يشدد عليها «أنطونيو سيغي» في لوحاته التصويرية الهزلية.

توازنات لونية زاهية، وإيقاعات حركية ذات شعبية كوميدية وتراجيدية، وخطوط عامودية وأفقية ومائلة رسمها ضمن نظام هندسي تصويري هي بمثابة مشهد قصصي يثير البصر، ويؤدي إلى حوارات داخلية وأوبرالية فنيًا، فهي مكثفة فراغيًا بحيث تبدو مشاهد الازدحام تخيلية، وتوحي بغرابة الحياة اليومية. كما توحي بتشكيلات سردية سيمترية صارمة بقياساتها وأحجامها، منتقدًا مجتمعات المدن الكبيرة وأسلوب حياتها اليومية المتكررة محاولًا حث الإنسان إلى اكتشاف رسالته العميقة داخل كل لوحة برزت فيها سردياته الفنتازية المشحونة بالجمال.

فالتفاصيل الفنية في أعمال «أنطونيو سيغي» مترابطة مع بعضها البعض، كمفردات بنائية تحمل معنى حياتي يضيف إلى الذهن قضايا اجتماعية تحليلية تسخر من ذاتها، وتضعنا أمام لغة هزلية تشكيلية محببة للنفس. لأنه يروي قصصًا مدموجة بفن تصويري حكائي له نظمه وقوانينه التشكيلية الصارمة من حيث اتساع اللوحة، وعدد مفرداتها التشكيلية وانسجامها مع المشهد التركيبي المحبوك بموضوعية تنم عن غموض فني ذي معايير واضحة تصويريًا، لكنه مبطن بتفاصيل مخفية بين الأجزاء اللونية والفواصل الفراغية المتلائمة مع حلاوة البناء الداخلي للوحة.

ينتقد «أنطونيو سيغي» في أعماله الفنية أفعال الإنسان الاجتماعية، ومظهره الخارجي مع الاهتمام برسم التعابير الجسدية الإيمائية المفهومة حسيًا عند المتلقي، كحركة الأرجل المرفوعة، والقبعة، وربطة العنق وإيحاءاتها الساخرة اللاشعورية المثيرة للضحك مجازيًا مستخدمًا ألوانًا حارة، ليوحي بقوة المشهد الانتقادي وخفايا الحركة المستترة بين الخطوط والأحجام المتناقضة لخلق فضاءات تعكس حالات مضحكة، ولكنها عميقة المعنى وجريئة تشكيليًا، لأنها تحتاج لقدرات تخيلية تصويرية ذات أسس فنية مبنية على تأثيرات الشكل واللون، وغواية شخصيات متشابهة من حيث التلاعب بانعكاسات الألوان وأبعاد الرؤية الفنتازية.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2014