الفنان جبران طرزي يروي قصصًا هندسية في بيروت

ضحى عبدالرؤوف المل

تُعدّ أعمال الفنان اللبناني جبران طرزي نموذجًا فريدًا في الحركة التشكيلية المعاصرة، حيث تتسم بالتركيب الهندسي الدقيق الذي يُذكّر بالفن المغربي التقليدي، خصوصًا في استخدام الخطوط التي تُنسّق لتؤلف مجموعة متكاملة من الأشكال الهندسية كالمثلثات والمربعات. هذه الأشكال لا تظهر عشوائية أو مجرد زخرفة، بل هي نتاج دراسة متأنية ودقة متناهية، تجعل من كل لوحة مزيجًا متناغمًا من الإيقاعات البصرية التي تتفاعل فيما بينها بإبداع عالٍ.

تتشابه أعمال طرزي مع الفن المشرقي الذي يتجلّى في الأسلوب الديناميكي الذي يرتكز على التكرار الهندسي والتوازن الدقيق بين الفراغ والمادة، ما يخلق إحساسًا بالحركة والثبات في الوقت ذاته. الخطوط التي يستعملها الفنان ليست مجرد حدود تفصل بين المساحات اللونية، بل هي عناصر بناء أساسية تقوم بتقسيم المساحات لتشكيل شبكة معقدة تنظم الرؤية وترشد العين عبر اللوحة. تتشابك هذه الخطوط ببراعة لتؤلف أشكالًا هندسية متعددة، تتراوح بين المربعات التي ترمز إلى الاستقرار والتنظيم، والمثلثات التي تضفي حيوية وتنوعًا على التركيب.

تتطلب هذه الأعمال من الفنان مستوى عاليًا من التركيز والمهارة الحرفية، إذ لا مجال للخطأ في رسم هذه الخطوط المتشابكة؛ فدقتها تحكم جمالية العمل وروحه، وتعكس توجهًا فنيًا يجمع بين الحداثة والتقاليد. ويتجسد هذا التوازن في اختيار طرزي للألوان المتناسقة، التي تضيف عمقًا وبعدًا بصريًا للتركيبات الهندسية، مما يجعل اللوحة ككل تنبض بالحياة وتشدّ المشاهد إلى تأمل التفاصيل الدقيقة. فلوحات جبران طرزي هي لغة بصرية تتحدث من خلال الأشكال والألوان، تعبر عن التوازن والجمال والابتكار، وتدعونا إلى النظر إلى العالم من زاوية مختلفة، حيث تكون البساطة هي أساس التعقيد، والخط هو جوهر الواقعية.

إذ يتميز الفن الهندسي الطرزي باستخدام التماثل والأنماط المتكررة، مما يمنح اللوحات إيقاعًا وتناغمًا بصريًا يعكس توازنًا داخليًا متناغمًا. فالتماثل لا يقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل يحمل دلالات عميقة ترتبط بالنظام والتنظيم، وهي قيم أساسية في الكثير من الحضارات والثقافات. كما تتنوع الألوان في هذا الفن بين الدرجات الحادة والزاهية إلى الألوان الهادئة والمحايدة، حيث تستخدم الألوان ليس فقط كعنصر جمالي، بل كوسيلة لإيصال المشاعر والأفكار. فالألوان تخلق جوًا خاصًا وتعزز من قوة الأشكال الهندسية، مما يجعل المشاهد يعيش تجربة فريدة تثير في ذهنه التأمل والتفكير.

كما يتيح الفن الهندسي البصري والحركي، إن صحّ القول، حرية كبيرة للفنان في التعبير عن ذاته، فهو لا يقيد بموضوع معين أو قصة محددة، بل يفتح المجال للإبداع والتجريب. وهذا ما يجعل كل عمل فني فريدًا من نوعه، يحمل توقيع الفنان ورؤيته الخاصة. وهذا شكل من أشكال التأمل؛ إذ يتيح للمتلقي الاسترخاء وخلق النظام والجمال من وسط الخطوط الصارمة الظاهرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التركيبات الهندسية تحمل في طياتها رمزية متعددة، إذ تعكس تجربة الفنان في الجمع بين التراث الفني الشرقي والحداثة الغربية، مجسدة رؤية فنية توّجهها الرغبة في ابتكار لغة بصرية جديدة تنسجم مع الروح المعاصرة دون أن تفقد جذورها التاريخية. وهذا ما يجعل أعمال جبران طرزي ليست مجرد تشكيلات هندسية بصرية، بل حوارًا مستمرًا بين الماضي والحاضر، وبين الفن والحرفة، وبين الفكرة والتنفيذ، مما يمنحها حضورًا مميزًا في المشهد التشكيلي اللبناني والعربي.

تستضيف صالة "أجيال" في بيروت معرضًا لأعمال الفنان اللبناني جبران طرزي، أحد أبرز رواد الحركة التشكيلية اللبنانية. يسبق المعرض محاضرة علمية أُلقيت في 6 أيار/مايو 2025 في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، ألقاها الأستاذ مراد منتظمي، وتناولت العلاقة الجدلية بين الحرفة الفنية العربية والفن الحديث، متخذة من جبران طرزي نموذجًا للدراسة. حضر المحاضرة أكثر من 70 طالبًا ومثقفًا وخبيرًا فنيًا. وفي اليوم التالي، 7 أيار/مايو، افتُتح المعرض رسميًا بزيارة طلابية، ويستمر حتى 14 حزيران/يونيو 2025.

الأستاذ مراد منتظمي، مؤرخ فني وناشر وأمين متحف، شغل سابقًا منصب أمين قسم "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" في متحف "تيت مودرن" بلندن بين عامي 2014 و2019. أسس لاحقًا منصة "زمان بوكس آند كيوريتينغ" المتخصصة في النشر وأمانة المتاحف، بهدف استكشاف الحداثات في العالم العربي، الإفريقي، والآسيوي.

تُعرض أعمال طرزي حاليًا في صالة "أجيال"، التي تأسست عام 1990 وتُعد من أبرز صالات العرض للفن الحديث والمعاصر في بيروت والعالم العربي. وقد عُرفت بتقديمها أعمالًا لفنانين مرموقين ومواهب صاعدة على حد سواء.

من جهة أخرى، تحتضن الجامعة الأميركية في بيروت منذ 12 آذار/مارس 2025 جناحًا لمؤسسة "جبران طرزي" ضمن معرض "الجدران المفتوحة"، الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم. هذا الحضور المميز يرسّخ موقع جبران طرزي كأحد أعمدة الفن التشكيلي اللبناني، إلى جانب رواد مثل خليل صليبي، صليبا دويهي، عمر أنسي، وسيزار جميل.

وفي العام نفسه، خصصت مجلتا "الأديب العراقي" و"المجلة العربية" في السعودية مقالات موسعة ومعمقة حول مسيرة جبران طرزي الفنية وتجربته بالتوثيق والتحليل، مما يعكس المكانة البارزة التي يحتلها في تاريخ الفن العربي الحديث.

قد حظيت تجربة طرزي الفنية بتغطية واسعة، كما ألّف الناقد العراقي خضير الزيدي كتابين عنه: "جبران طرزي – سيرة إبداع فني مشرقي" (دار الأديب، الأردن، 2024) و"جبران طرزي – رائد الأصالة والتجديد" (بغداد، 2025). وبدورها، تناولت الناقدة اللبنانية ضحى عبدالرؤوف المل أعمال جبران طرزي في كتابيها "لمح بصري" و"توازن بصري"، الصادرين عن دار الجندي بالقاهرة عام 2024.

يُشار إلى أن الفنان جبران طرزي وثّق رؤيته الجمالية في كتاب "التنويعات الهندسية" (دار الفنون الجميلة، لبنان، 2007)، فيما صدر له كتاب "المواسم الاثنا عشر" عام 2017 في باريس عن دار "زمان"، من تأليف المؤرخ الفني الفرنسي مراد منتظمي.

كما حظي جبران طرزي بدراسة في كتاب "الهندسة والفن في الشرق الأوسط الحديث" بالانكليزية عن دار"سكيرا" وهو مجلد صدر في لندن عام 2019 حول استخدام الهندسة الاسلامية في الفن الحديث والمعاصر بتوقيع روكسان زاند والأكاديمية سوزان باباي

علماً أن مسيرة جبران طرزي موثقة بشكل كامل من قبل "متحف بيروت للفن المعاصر" (BeMA)، ويمكن أيضًا مراجعة كتب موثقة حول جبران طرزي في كل من المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة - قطر، ومتحف سرسق في بيروت - لبنان، والمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في تونس، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وصولًا إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة في الجزائر، وجامعة نيويورك أبوظبي، وجامعة القديس يوسف (USJ) في بيروت - لبنان.ومعهد العالم العربي في باريس _فرنسا ومتحف مجموعة الابراهيمي للفنون التشكيلية العراقية