صداقة رومانسية
ضحى عبدالرؤوف المل
أحب كثيرًا الصداقة التي تستمر لسنوات، مع الاهتمام بطبيعتها. إذ تؤكد بتنوعها على معرفة تفرض تحديثات جوهرية على صقل شخصيتي السوريالية المفعمة بالغرائب الحياتية المكتسبة. طلب مني فتح نافذة المحادثة الشبيهة بدوامة يصعب الخروج منها، بتوقعات مستقبلية لا يمكن التنبؤ بها. لأن الصداقة ذات الجذور القوية لا يمكن اقتلاعها حتى افتراضيًا، وحين تقترن بالرومانسية تجتاحها عواصف التقلبات النفسية التي لا يمكن التكهن بها. إلا أنها ليست على وتيرة واحدة في المعنى المؤلف من كلمتين: صداقة رومانسية لا تفصل بينهما نقطة أو فاصلة أو حتى واو عطف، لتشكل نوعًا من التلاحم والوئام لا ينفصل عن بعضه البعض، بل تتفاعل الأحاسيس والمشاعر لترسم لغة وجودية لا عدوانية فيها، فما من صداقة عدوانية، وهذا يطمئن ويقلق في آن. أطلقت العنان لأصابعي عبر شاشة المحادثة لأسأل وبشغف صديقة تبحث عن صداقة مميزة في زمن ما من صداقات تنمو فيه.
- ما حدود الرومانسية في الصداقة؟
- لا حدود لها، لكن يمكن استبدال السؤال: ما هي الرومانسية تحديدًا؟
- ببساطة هي الرقة في المشاعر حين تكون سلوكًا عاطفيًا.
- هذا يعني أنها مفتوحة وبلا حدود؟
- أكيد، وهنا ستتجاوز الصداقة في حدودها.
- لماذا؟ لأنها تتعلق برقة المشاعر الحميمة؟
- وإن تعلقت، ماذا يعني هذا؟ ألا يمكن الحفاظ على مستوى معين؟
- لا يمكن! لكن تحتاج المرأة للصداقة الرومانسية، ما الحل إذًا؟
- فلتفعل ذلك وتتحمل النتائج، لأن الصداقة تؤدي إلى الحب غالبًا.
أغلقت نافذة المحادثة ورميت الهاتف على الكنبة، كأنني أعاقبه على تحليلات لا شأن له بها. لأن بعد كل هذا الحوار، استنتجت أن الحب لا يحتاج للتنظير ولا لنظريات طنّانة، لأنه لمسة ربانية قدرية وقد لا تتكون من محادثات افتراضية، ولكن أيضًا لكل قاعدة استثناء. فهل يمكن أن تتبدل صدافتنا الرومانسية إلى حب؟
حدثني في اليوم الثاني عن مكانه الخاص الذي يلجأ إليه عندما يتلقى رسائلي التي لا يجيد إهمالها، لأنها تجعله يشعر أنها رفيقة لحظاته التي تجعله ثابتًا كالطود أمام امرأة يقرأ تفاصيلها من كلمات مرهونة بأوقات تهرب مع ليل نتحادث فيه، وكنبة عريضة يستلقي عليها بعد أن وضع كوعه الأيمن على طاولة صغيرة تغفو عليها علبة تبغ وتوابعها. هذا يعني أنه أكثر ارتياحًا، وأصابعه اليسرى هي التي تترجم كلماته، لكن من المؤكد أنه رسم لوحة تشبه لوحات الفنان "جبر علوان" التي أعشقها، لأن ريشته حواسها أنثوية، ولكن يبدو أن ريشتي ترسم رجلًا في حضرة امرأة تكتشف محاربًا من زمن تركي حازم في زمن لا حزم فيه. استرسلت بالتخيلات كما استرسلت بالأسئلة، فكتبت له مع صورة وجه مبتسم:
- إن كانت الصداقة تؤدي إلى الحب غالبًا، هل من تأكيد على أنه لا صداقة رومانسية تدوم بين رجل وامرأة؟
- مؤكد ذلك، لأنها ستأخذ طابعًا آخر.
- صدافتنا رومانسية وما زالت مستمرة ولم ترتبط بالحب، ماذا تسمي هذا؟
- كل علاقة تعتمد على طرفيها، ولا بد أنه كان هناك خلل معين.
- أين الخلل بالله عليك؟ تخبو وترتفع وكأنها بتحديث مستمر.
- لأنها لم تأخذ شكلًا معينًا، فلا هي صداقة ولا هي حب، ربما هي صحبة.
- يا إلهي، لو قلت لك يا صاحبي لرجموني حتى الموت.
يأمنون خداع المظهر ويتجاوزون غواية الجوهر، فما أجمل شبكة التواصل إذا كانت بعيدة عن الواقع وقريبة منه، وها نحن في صحبة الكلمات والمعاني في صحبة معرفية.
تم نشره في شهر أيلول 2016 في جريدة اللواء