احتمالات...

ضحى عبدالرؤوف المل

توقف الكلام فجأة، حينها أدركتُ أن الفكر تراجع وبات يبحث عن احتمالات بشرية لواقع افتراضي يسلب الكلام وضوحه وجرأته. رغم أنه يختصر المسافات، تاركًا عبارات حركية تدهشنا وتجعلنا في زمن بلا أجساد، بل زمن الذهن المتوقد أو المتكاسل. وبين هذا وذاك، لا بد من قيادة للأصابع التي تتردد خوفًا من الوقوع في أمر ما. إلا أن الإحساس الانفعالي يدفعنا نحو التنبؤ بمفاعيل الكلمة النووية وتأثيرها على الخيال المتوقد، لتنحصر التوقعات بين الصفر والواحد الصحيح، أو بالأحرى بين الأنثى والرجل داخل الواقع الافتراضي واحتمالاته الضمنية أو العشوائية. وفي كلتا الحالتين، تصبح نواتج التعارف متعلقة بالأحداث التي تجري داخل علبة مربعة في اليد.

من المؤكد أنك لم تتوقع أن الرجل الذي يحادثها ويرسل لها الوجوه الانفعالية أو الافتراضية المرسومة طفوليًا يختزل فيها تعبيرات جمة، ليصل إلى اكتشافات محصورة بين الجسد والروح، منطلقًا من الذات التي ترنو إلى شغف المرأة بالرجل وخفة أحاسيسها عند لمس العاطفة، بين الاستعداد للاشتعال الحسي، وبرودة الخيالات وإمكانية انطلاقها إلى آفاق لا نهائية.

_ قالت له: "لو أطلقت المرأة خيالاتها الافتراضية إلى ما لا نهاية، ماذا يحدث؟

- هذا سؤال افتراضي يجب أن ترد عليه المرأة، ويأتي متأثرًا بحالتها الفكرية والنفسية كما في حالتنا نحن الآن.

- هل تحاول إجراء تجربة معينة، كأن ترمي كلمة لتحصل على صورة؟

- لا أبدًا، علاقتنا الافتراضية قائمة على الصداقة المرتبطة بالثقافة والأدب وتبادل الأفكار والتعارف المعرفي المثمر والمتناهي بقيمه.

- لو كان تعارفًا للتسلية، ما هي احتمالاته؟

- ينتهي إلى لا شيء، لأن أحاديثنا اكتملت بالتوحد الفكري، مثل الشجرة المثمرة، نأخذ منها ولا نعطيها إلا القطاف.

- الشجرة مثمرة صيفًا.. ماذا عن الخريف وما بعده؟

- ما بعده كهولة ذات مراحل عمرية، بل في الحقيقة شتائية عاصفة بالعطاءات حتى بالصمت، لأنها الصبر الجميل على الدنيا التي ارتكبنا فيها حماقات لاواعية ومشاغبات، في ذاكرة نفتحها ونغلقها حين نحتاج إلى دمعة أو إلى ابتسامة. فتأمل الماضي بتفاصيله الراسخة، بك ستجد أن الأجمل هو الآن.

- هذه نظرة تفاؤلية يستحيل تعميمها على الجميع، كالمرأة الستينية التي تبحث عن الصبا في عمليات التجميل الناجحة.

- أنا لا أنظر إلى المرأة من هذه الزاوية، وأعرف تمامًا أن المرأة الحقيقية تبقى شابة ولو في عمر التسعين، إضافة إلى أنني ضد عمليات التجميل الجسدي، ولا أمانع في إجراء عمليات للتجميل الروحي. الاحتمال الوحيد هو أن المدافن مفعمة بأنصاف الأرواح.

- أغواني هذا المكان الافتراضي، يستفزني هذا الحضور المسكون بالغموض لمعرفة حقيقة أكثر، لكن أخاف أن تورطنا المعرفة الافتراضية بشبهات لها عدة احتمالات.

- كل شيء قابل لاحتمالات، وشكرًا على الوجوه المرسلة..

تم نشره في شهر 10 في جريدة اللواء لبنان