هجوم حتمي

ضحى عبدالرؤوف المل

شدّدت حروفي جيدًا وزاد تركيزي البصري بعد كلمة ظهرت أمامي على شاشة الخليوي كأنها هجوم حتمي، فاستجمعت كل قواي الفكرية لصد هجومه الحتمي بحزم لا مفر منه. عاونني بذلك مخزوني الذهني بعد أن أمسكت بين أصابع يدي الأخرى حبات مسبحتي التي أُداعبها. لأسمع طقطقاتها كما أسمع نقر أصابع يدي الأخرى على الأحرف، وما بين حبات المسبحة والأحرف الإلكترونية استسلمت لسؤال بشرود ذاكرة أعادتني إلى المرحلة الابتدائية حيث كنت أجلس قرب صديقي زهير، لأرمي له كلمة سخرية بين لحظة وأخرى عندما يغيب وجه معلم اللغة العربية وتبدأ طبشورته بشرح الفعل ونائبه وأقاربه. لشن هجومي على صبي يجلس قرب بنت، وهذا كان شبه قصاص يضعنا أمام حالة ذهول لا يمكن رفضها في صف مختلط. يعاني من حكم جائر لم أفهم مغزاه حتى الآن.

- اكسر الجدار يا حازم، وكفى تمسكا بصراعات الزمن ومشاعره التي رحلت. أرسلت الوجه المبتسم للتعبير عن ابتسامة ساخرة، وأنا مقطبة الجبين، أحصر انفعالاتي بالضغط على حبات المسبحة بعد أن توقفت عن الطقطقة.

- الجدار مشكلته أنه مبني من حجارة قلعة طرابلس التي قفزنا عليها معًا منذ الطفولة يا رنا.

- برأيي الحر الذي لم أمارسه يومًا، ولأني امرأة على السمع والطاعة، إنك متمسك بذكريات تجعلك تندم على رغبة جامحة بمحادثتي بعد تلك السنوات، أو ممارسة القفز فوق أسوار المشاعر بتدليس ذاتي.

- كان لا بد لي من سرقة لحظة من الزمن لأعود إليك وأمارس طفولة من نوع آخر. أنا محمَّل بمشاعر يقينية أكبر من تلك التي بقيت هناك.

- أوافقك الرأي في هذا، لكن ما مدى المسافة بيننا الآن؟

- المسافة بين الواقع والخيال وجدلية أبعد من نقطتين على سطح واحد.

- أوف، ألا يمكن إيجاد علاقة بينهما ببساطة؟

- بدون أي معادلات أخرى من الطبيعي لا يمكن ذلك بعد الهجوم الحتمي الذي تشنه حواسي في حضرة امرأة دون أي قصاص أشعر به.

- هجومي مبني على إلغاء الزمن أو المسافة الفاصلة بين السمع والطاعة والرفض الشديد، لتبقى اللحظة هي فقط التي تترجم ما هو قادم بيننا. من رسائل في ملجأ يعج بالرؤوس حتى هذا الملجأ الوهمي الذي تملؤه الوجوه التعبيرية. ما الفرق برأيك؟

- الخيال يلعب دوره في تحقيق الواقع، وكلماتك وحدها هي التي تجعلني أتخذ القرار بالانسحاب من الهجوم الحتمي الذي أعلنته لنلتقي بعد الحرب الشرسة التي تشتد براثنها على جيل نحن منه، وباتت هذه التقنية تهدده بخسارة كبرى وتضعه بين هلالين في مأوى عجزة افتراضي، وحدها الأصابع التي لا ترتجف تبقى فيه، وما تبقى إلى المحرقة الصامتة.

- مأوى عجزة افتراضي؟

- ألا تشعرين يا صديقتي بذلك؟ في طفولتنا كنا ننفذ الأحكام فقط، واليوم ننفذ الحكم الاجتماعي بعزلة من نوع آخر ونحن نبحث عن معنى الإنسان الذي يشد عضده بإنسان آخر.

- هل تقصد التواصل الاجتماعي؟

- بالله عليك... عن أي تواصل اجتماعي تتحدثين؟ أصبحت لا أعرف مع من أتحدث، أهو صديق أم عدو؟ حتى عند وفاة والدي، العزاء على صفحتي الخاصة أكبر من حضور المعزين في قاعة العزاء.

- أتعاطف معك بذلك، لكن هذا اختصار للوقت في زمن باتت السرعة فيه مكلفة حتى في تأدية الواجبات الاجتماعية.

- لنختصر الوقت إذًا وندخل مأوى عجزة افتراضي ونمارس حرية غير معلنة ونبني هرم الحب الحقيقي، لنحيا قصة حب ناضجة دون أي قصاص يمارس علينا.

- استأذنك، سأمارس طقطقة الأصابع لأمنحهم مرونة البقاء وبهلوانية القفز على الحروف وأدخل في مأوى عجزة افتراضي، لكن من نوع آخر.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2016