من بعدك لمين - ملحم بركات
ضحى عبدالرؤوف المل
إن غاب الجسد، لا يغيب الصوت ولا اللحن الذي وصل إلى المجد وحفر على الأرز اسمه، لتبقى أغانيه هي الجواهر المرصعة بالكلمة واللحن، والأعمال المسرحية الهادفة. فالصوت لا يُنشز ولا يخرج عن نوتة قطعت مسافات شاسعة في عمر غني بالأحاسيس وبوهج، وإطلالة زادها التعبير الفني أشرعة جمالية كللها الموسيقار "ملحم بركات" بدفقات من ماء الروح التي تبقى خالدة ولا تزول عن أغانيه وأعماله بشتى أنواعها، كعطور زهر لبنان وغابات أزره البهية.
شاءت الأقدار غيابه، وشاء الزمن تخليده، واصطفاه لبنان ليكون الابن البار به، ويترك إرثه الفني لنا، ونغني مع أبو مجد كلما أشرقت الشمس "الله كريم" و"سافر يا هوا". فهل يرحل من يترك أثره الفني في عالم أحبّه؟
من مجد إلى مجد أيها الصوت الجبلي، أيها التراث الفلكلوري اللبناني المغطى بالحداثة الموسيقية التي انبثقت من صخور لبنان ووديانه، ومن سطوع الشمس التي لا تغيب إلا على خيوط الموسيقى الذهبية التي جعلت من كل أغنية كلمة لا تموت، بل تتغلغل بالأصالة الشعبية مع كبوش التوتة، وبطفولة كل لبناني كبُر مع أغانيه وترعرع مع ذاك الشاب الرومانسي الخجول الذي أطل من عالمه الذي رسخه بشتى المعارف والعلوم الموسيقية الرافضة لأي خلل حسي يمكن له أن ينتزع من الصوت القوي بحة الماء، واهتزاز الوتر الذي يجذب القلوب ويتركها في عالم من الفن الأصيل الذي لا يمكن أن يموت ولا أن يندثر.
الضوء المشع في سماء لبنان "يا أسمر"، فهل يمكن أن نعتزل الغرام ولا نعشق أغنياتك يا موسيقار لبنان؟
بين نوتة ونوتة تقف انضباطات النفس التي لا تلين ولا تتردد في تقويم الخطأ الموسيقي الرافض لأي خلل كي يصدح الصوت مع الموسيقى، وتتنامى الأغاني لتكون الإرث التراثي الذي نعتز به ونتوارثه الأجيال بشموخ وبعزة نفس تمتعت بروح موسيقية عالية، وبمعجم غنائي يحملنا على أجنحته الممهورة بالعاطفة والحب لأوسع مدى، عبر خلق فني لا يشبه إلا نفسه، واللغة الموسيقية التي لا تنفصل عن الصوت الرخيم، ولآلىء التقاسيم المصحوبة بالإبداع. ومن بعدك لمين؟
ومن بعدك لمين؟ سؤال يتردد في وجدان كل من عرف صوتك، وعاش مع ألحانك، وتعلّق بذكرياتك التي صنعتها نغماتك، فكنت أكثر من موسيقار، كنت رسولًا يرسخ في القلوب قصة لبنان، صلبًا في جباله، عذبًا كنسيمه، وعميقًا كأسراره. ملحم بركات، لم يكن فقط اسمًا على صفحات الزمن، بل كان روحًا متوهجة لا تعرف الخمود، ولا ترتضي الذبول.
كل نغمة خرجت من بين يديك كانت شهادة حب وفداء، رسالة صادقة تروي حكاية وطن يئن تحت وطأة الحروب والآلام، لكنه يظل ينمو وينمو كالأرز الذي سميته حارسًا على اسمه. من خلال ألحانك، لم تغنِ فقط عن الحب والغرام، بل حملت هموم شعب بأكمله، ونقلت الفرح إلى القلوب الحزينة، ونسجت من أوجاع الناس ألحانًا تتخطى الزمن والمكان.
لقد كنت نهرًا من الإبداع لا يجف، ينبع من عمق التجربة، يعكس ملامح لبنان بكل تناقضاته وجماله. فكانت أغانيك تعبيرًا عن روح الجبل وشمس الوادي، عن الفرح والبكاء، عن الحلم والأمل، وعن الكبرياء الذي لا ينكسر مهما تعاظمت العواصف. كل أغنية تحمل بصمتك، كل نغمة هي جزء من نفسك، وكل لحن هو قصيدة حب أبدية للوطن.
لم تكن الموسيقى عندك مجرد أصوات متناغمة، بل لغة تعبيرية تأسر الألباب، تأخذ المستمع في رحلة عبر الزمان والمكان، تغوص في أعماق الروح، فتوقظ الأحاسيس، وتحرك العواطف، وتحيي الذكريات. فصوتك، أو بالأصح، صوت لبنان من خلالك، كان صدى للأمل والكرامة، للمقاومة والحياة، لنبض الأرض وروحها.
وفي كل مرة نسمع فيها "الله كريم" أو "سافر يا هوا"، نعود إلى أيام كانت الموسيقى فيها ملاذًا، ونبضًا للحياة رغم الألم. كانت كلماتك وألحانك تجسيدًا للصمود، وكانت الموسيقى جسرًا يربط بين الأجيال، يعلّمنا كيف نحب ونحلم، وكيف نتمسك بجذورنا حتى في أحلك الظروف.
ملحم بركات، أنت المعلم الذي علمنا أن الفن أسمى من مجرد ترف أو تسلية، هو لغة الروح التي تعبر عن الحقيقة، تصنع الجمال من الألم، وتزرع الأمل في قلب اليأس. صوتك كان نبضًا لجمهور يشبه لبنان في تنوعه وتاريخه وثقافته، صوت جبل، صوت وادي، صوت بحر، صوت حضارة ما زالت حية في قلوبنا.
اليوم، وأنت ترحل عن هذا العالم، لا يغادر صوتك الساحة، بل يبقى خالدًا في وجداننا، في أغانينا، في ذكرياتنا، وفي كل نغمة تعزفها الأجيال القادمة مستلهمة من إرثك العظيم. إرث فني هو أكثر من مجرد أعمال موسيقية، إنه قصيدة حب وطنية، شهادة فنية، وجسر تواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
فهل يرحل من زرع الأمل في القلوب، ومن أنار دروب الفن بجمال صوته؟ هل يرحل من صنع من النوتة أبدية لا تنطفئ؟ أنت باقٍ في كل لحظة نغنيها، في كل لحن يعانق السماء، في كل دمعة فرح أو حزن تذرفها قلوب محبيك. لقد كنت، وستبقى، رمزًا خالدًا لموسيقى لبنان وتراثه، وملهمًا لكل فنان يبحث عن الإبداع الحقيقي الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان.
ومن بعدك، لمين؟ لكل من يسير في درب الفن، عليك أن تتعلم كيف يكون الصوت صادقًا، وكيف يكون اللحن رسالة، وكيف يكون الإبداع نبعًا لا ينضب. عليك أن تتعلم من ملحم بركات كيف تكون الحياة أغنية لا تنتهي، وكيف تكون الموسيقى هي اللغة التي توحد القلوب وتبني الجسور بين النفوس.
يا موسيقار لبنان، يا نجمًا لم يخفت نور بريقه، شكراً لأنك كنت لنا صوتاً وأملًا، شكراً لأنك صنعت لنا من الألحان قصائد خالدة، شكراً لأنك كنت لنا ملهمًا ورفيق درب، شكراً لأنك علمتنا كيف نحب الحياة رغم كل شيء. رحلت جسدًا، لكن روحك بقيت ترفرف فوق أوتارنا، تهمس في آذاننا بأغاني لا تموت، وألحان لا تزول، ومن بعدك لمين؟
تم نشره عام 2016 في جريدة اللواء