لحظة خشوع..

ضحى عبد الرؤوف المل

أغلقت صفحة الكلام ونظرت إلى خطوط قهوة ارتسمت كلوحة تجريدية خرجت بلحظات لاوعي وتشابكت مع حقائق هربت منها. في لحظة احتست فيها السائل الأسود بمرارة لا تُنسى، صاحبتها لذة هروب لا إرادية من خطوط جبين خربشت عليه السنين وتركت في ثنايا الوجه صورة عميقة لرجل خضع لكلماتها ومن ثم تمرد، كلاعب شطرنج مارس لعبة الملوك عبر كلمات شيدها بحزم ودقة، لتكون كبناء حصن منيع تتربع على عرشه امرأة مارست الخنوع والخضوع في مساءات ذات نسمات باردة تلفح الشفاه الصامته وتصيب أطراف الأصابع ببرودة يرتعش معها القلب المسافر افتراضياً تحت وطأة المعاني الحادة التي تخف وتزداد تبعاً للرفض والقبول.

ابتسمت وهي تضحك بنبرة طفولية بعد أن شدّت حزام خصرها أمام مرآة عكست صورة الوجه الهارب من لحظة زمن مفقود، كظل شبح خرج من مكان غامض بلا تفاصيل أخرى، وبتمرد على لحظة بين غروب امتد وفجر لم يضحك بعد.

فاحت رائحة الخزامى واستفزت حواسها المفتوحة للتمرد على الماء الساخن، فاستبدلته بالماء البارد لتغتسل من أدران الفكر الذي أصابها بفجوة في الذاكرة، وأعاد لحظة ثورة تكبرت فيها القلوب القاسية على قلوب لينة تنشر الطيب من حولها بعد أن عصوا ومضوا، واليوم ينعتها بالخنوع والخضوع. ارتجفت روحها من برودة الماء التي لسعت الجسد العاصي، فبدت كأنها عرافة تمارس قراءة الخطوط بكل أشكالها، لتستعيد مملكة ضاعت بين براثن الخنوع والخضوع، حاولت أن تستجدي الزمن ليعيد الماضي ما فقدته وتخرج من هذه العبثية التي أصابتها قبل أن يغرّد الخليوي ليعلن عن حضور افتراضي حازم أحاط بالزمن ونفى المكان.

_ هل تشربين القهوة؟

- لا. خرجت من تحت الماء البارد، واحتاج لغطاء من صوف أتدثر به، ربما مارست بعض الاحتجاج على نفس ترفض الخنوع وتفكر بماهية الخضوع الذي رميتني به، وخرجت من لعبة الملوك بفخر اقتربت من خلاله للانتصار.

- الخنوع بسلبياته وضعفه لا يصيب امرأة خرجت من دائرة الحياة بثقة وثبات في اختيار خاضع لتمرد من نوع غريب ظاهره خضوع وباطنه خنوع، وهو ليس إلا معاقبة للذات.

- لحظة جبرية أصابتني بالخضوع لكني استطعت ترتيب أفكاري لأقوم بثورة لن تحمد عقباها، وسأقاوم الوقت كي أنتصر في لعبة ملوك جعلتني أكظم الغيظ وأصابتني بموجات تمرد لن أستسلم بعدها ولن أتملق لأحقق ذاتي.

- تصالح مع الذات تحتاجين معه القليل من الاستعطاف والكثير من العروج نحو البساطة مع البحث عن التغيير.

- سأكظم الغيظ مرة أخرى ولن أستحم بالماء البارد، بل سأبدأ بتكوين إمبراطورية أسطورية لا تعرف الخنوع والخضوع.

- آه.. إمبراطورية امرأة مقيدة بالأساطير، هذا نوع من الخضوع الحسي والخنوع الذاتي، إن لم أقل تناقض بين موقفين: العنادوالعصيان.

- للأمانة، أنا بين العناد والعصيان قررت عدم الخضوع لخطوط قهوة جعلتني كالعرافة، سأدخل محرابي دون رجفة أو خوف من أسطورة أجبرتني الالتزام بلعبة ملوك مع رجل حازم يقف تحت حرارة الشمس وينتظر العتمة.

- هي لحظة هروب من حقيقة فتحت لك بابها لتتسرب الحياة بمتناقضاتها كاملة، لنبدأ معاً بالتغيير.

- سأكتفي من كل هذا بلحظة خشوع.

تم نشره عام 2016 في جريدة اللواء