مشاكسة حركية نابعة من الإحساس بالهموم الحياتية
ضحى عبدالرؤوف المل
ينحاز الفنان "غازي بكر" (Ghazi Baker) بوضوح إلى الأشكال التي تثير الدهشة من خلال المتناقضات التي يتم التركيز عليها. إذ يحاكي ذهنية المتلقي بكل فئاته العمرية، ليعكس الحالة الإنسانية في مجتمع يصوره بصخب حركي انعكاسي، كأنه يصف ما يزعج مخيلته في المدن والأماكن التي يلجأ إليها ويهرب منها. وبسخرية يشير من خلالها إلى تناقضات الإنسان نفسه في معمعة الحياة التي تضيق مساحاتها اللونية، ونشعر أننا نغرق في متاهات حركية شديدة الغموض فنياً، رغم الوضوح بين الأشكال الظاهرة والمخفية، لتكون مسدودة بألوان فكرية شتى لا تستطيع توحيد الرؤية التي ينتقدها من خلال ألوان باستيل تضج بصرياً بالإشراق الضوئي، حيث يبرز مفهومي الكبير والصغير، ضخم وضعيف، طويل وقصير، الخ...
يعطي الفنان "غازي بكر" للشكل قيمته الفنية وببساطة رياضية يبرمجها من خلال العناصر الجمالية التي يلجأ إليها في تكوين مواقف حياتية تثير الضحك أو الاشمئزاز أو تسلط الضوء على الأشكال التي تراها العين كل يوم، ولا تكتشف فيها تلوثات بصرية تؤذي الذوق الإنساني، وتشتت الفكر وتحرمه من لحظات تأملية، لها قيمتها على الإنسان وحالته اليومية التي تنعكس على تصرفاته وسلوكياته.
إلا أنه يتجاوز القيمة التشكيلية باستبدالها رياضياً، ليرفع من قيمتها الفنية بازدواجية تلتصق بالحياة الإنسانية وتفارقها، لتكون الأشكال لمخلوقات لو جردناها من الألوان لوجدناها كناية عن مربعات ومثلثات ومستطيلات وأشكال بيضاوية، وخطوط عامودية وأفقية ومنحنيات. وبهذا لم يفارق الهندسة ولم يلتحم مع الزخارف اللونية، إنما ترك لمخلوقاته الشعبية المحاكاة البصرية بفيزيائية حركية موصولة بتضاد لوني مركز، وإن تنوعت أساليب الريشة والقواعد الرياضية التي يلتزم بها في تأليف مقطوعاته البصرية الصارخة بالبوب آرت، والنزوع إلى انتفاضة ريشة تمارس شتى أنواع المحاكاة، لحالات إنسانية شتى تنبض بالحياة وتشكل بعوالمها قضايا مختلفة يمنحها "غازي بكر" الوجود الساخر وبضحكة مبطنة موجوعة فرحة كاشفاً عن عدة قضايا تعاني منها المجتمعات والإنسان بشكل خاص.
مشاكسة حركية نابعة من الإحساس بالهموم الحياتية التي تلف القضايا الإنسانية، والمعاناة البارزة بإظهار المفارقات الثانوية التي تشكل الجزء الأهم من مساحات لوحات تستقطب حتى اللغة البصرية والكتابية، فالحروف التي يتركها هنا وهناك تشكل مساحة خاصة لها قياساتها وجمالياتها حتى بتقنية فصل الأشكال ضمن اللون نفسه كمرآة تعكس أفكاره بمرآوية أصل الإنسان بالاستنساخ الإيحائي كرأس الإنسان وفي داخله القرد الذي ينم عن نظرية أصل الإنسان إضافة إلى تطوره والمكتسبات التي تلقاها من مجتمعه كالثرثرة وحب المال والأطماع والجشع، وإن بلعبة تكتيكية تحمل عدة مفارقات تثير البصر وتدفعه إلى التغلغل بشكل أكبر نحو العمق الجمالي للوحة، إن من حيث الأسلوب المشوق أو من حيث المضمون.
ليكون بذلك قد جمع فن الجمال التشكيلي الساخر عبر رسوماته تحاكي الأطفال والشباب والشيوخ بمراحل عمرية كافة محببة إلى النفس لما تحتويه ألوانها الأساسية من قوة والمركبة من شدة وحبك متذبذب بين الأكريليك والبستيل، وبمعايير قوية الضوء والظل والانعكاس، كتلك المسماة فاروس (Pharos) أو تلك التي تجسد رأس الإنسان وتغيراته عبر الضغوطات اللونية والهندسية التي شحنها بكثافة الخطوط والأشكال تاركاً للون لغته الخاصة التي تتقارب وتتباهد من خلالها الأشكال الملتحمة والمنفصلة، كأنها موسيقى البوب آرت أو الأفلام الكرتونية الراسخة في الذاكرة والممكن استخراجها من الأحداث التي يحاكيها بفن ساخر له جماليته البصرية.
تم نشره عام 2016 في جريدة اللواء