النسخة المدققة والمنظمة
ضحى عبدالرؤوف المل
طلب مني الانسحاب من وجود لا يترجمه الفعل الذي ينتظره، ليؤكد على انتصار ملفع بوهميات لا يمكن معرفتها تمامًا. أمسكت كوب الشاي الأخضر بين كفي لأشعر بحرارة تمحو تلك القشعريرة التي تسربت إلى جسدي من حشرجة صوت أعادته ذاكرتي إلى أوردي، كأن العتمة في ليل فاتن يسكنني هي رجل صامت في غياهب زمن لم أصل إليه بعد. تنحنحت وأرسل صوتًا يسأل فيه: متى الانسحاب؟
تأملت الكلمة، وكأني أنسحب من الواقع المتصل بشاشة هاتفي الخليوي التي ارتفعت حرارتها، كما الكوب الشاي الأخضر في يدي، وقدماي الباردتان رفعتهما كي لا أشعر بسخونة الأرض، فمددتهما على طاولة خشبية تعزلني عن انتصار أبحث عنه منذ سنين، وتسبب بالكثير من الصراعات مع الباحثين عن معنى الانتصار والهزيمة دون جدوى، لأن مسألة الثقة تنعدم بين المفهومين لا محال. فمعيار القوة يستحوذ على اللاوعي دون تخطيط مسبق لشن الحروب الفجائية، صغيرها وكبيرها.
- ما هو الحب يا عزيزتي؟
- الحب رغبة إنسانية ملحة، لكنه جينيًا يبدو مجهولًا ولا هوية له كغيمة عابرة محملة بمفاجآت لا تدركها الأرض التي يشن الإنسان حروبه عليها بحثًا عن الانتصار دون هزيمة تصيبه بدهشة مفخخة بالندم والحسرة، ومن ثم لملمة الخسائر والرحيل.
- بل! مسألة ثقة بالنفس، وهي جزئية تنطوي على منسوب عالي من مفهوم ما نؤمن به، وهو محاورة الذات بالسلبيات والإيجابيات، ومن ثم اتخاذ القرار بثقة عالية.
- ما من خسارة إذا كانت المواجهة مع الذات تصيبنا بانشراح نفسي وتقضي على اليأس المتغلغل مع معادلات لا تؤدي إلا إلى الهزيمة، وبعدها فقدان الثقة بشكل تام.
- ما رأيك بالحب النسيجي الذي ينشأ عن القيم والأهواء والخيارات والأفكار في نسيج واحد يغذي بعضه البعض ليكبر وينمو؟
ههههه، إن تزرع الورد، فلن تعدم العسل يومًا. إنه تمايز القيم.
أرسل شارة إلى اللقاء وغاب عن صفحة الكلام. توقفت لبرهة أتأمل معاني الكلام ودقات قلبي تتسارع خوفًا من هزيمة لحقت بي، ولم أستبق أحداثها لثقتي الكاملة أن ما بيننا من مودة وألفة أكبر من كلمة حب باتت على الألسن كأغنية بوب أو كرسمة غرافيتي على جدران متصدعة.
وضعت كوب الشاي على الطاولة وحواسي مهيأة لمعركة غضب شديدة أصابتني بحيرة جعلتني أضرب الطاولة بقبضة يدي، ليهتز الكوب ويقع على الأرض دون أن يتكسر. تركته يهتز، لأخرج من البيت نحو البحر، لكن فوجئت به أمام الباب يقف مبتسمًا.
- ما الذي جاء بك إلى هنا بعد الانسحاب؟
- مسألة ثقة يا عزيزتي.