صالح الهجر في حوار خاص :" الحرف عندي هو صلاة صامتة. الخط هو حركة الروح على الورق

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل

في عالم الفن الحديث، حيث تتداخل الأشكال وتتلاشى الحدود بين الصورة والكلمة، يقف الفنان صالح الهجر كصوت فريد ينبض بروح الأصالة والحداثة معًا. لوحاته ليست مجرد ألوان وحروف، بل هي تجربة روحية حية، دعوة عميقة للتأمل في جوهر الحرف العربي الذي يتحول أمام عين المشاهد إلى صلاة صامتة، وإيقاع بصري يلامس أعماق النفس. بين تدرجات الأزرق المتراقصة وعبارة "هو الحبّ" التي تتوسط لوحاته كقلب ينبض، تكشف أعماله عوالم داخلية مدهشة، حيث يذوب الخط في الفضاء، ويتحول الحرف إلى كائن حي يحمل أسرار الوجود. في هذا الحوار الحصري، نغوص في فكر الفنان ورؤيته، لنكتشف كيف يصبح الحرف صلاة، وكيف يتحول اللون إلى لغة تتحدث بلا كلمات. استعد لأن تفتح نوافذ الروح، وأن ترى الحرف كما لم تره من قبل: كقصيدة، كرقصة، وكعبادة في حضرة الجمال. ومع الفنان التشكيلي صالح الهجر أجريت هذا الحوار

- كيف تصف علاقتك الشخصية مع الحرف العربي؟ هل هو مجرد أداة للتعبير، أم كيان حي يحمل روحًا خاصة؟

الحرف العربي بالنسبة لي ليس أداة جامدة أو وسيلة تقنية فقط، بل هو كائن حي ينبض بالحياة. هو حضور روحي يتجاوز المعنى المباشر للكلمة، هو طيف صوتي وبصري يحكي تاريخ أمة ويُعبر عن وجدانها. عندما أرسم الحرف، لا أتعامل معه كحرف فقط، بل ككائن يملك روحاً وذاكرة تنساب في فضاء اللوحة، تتحدث بصمتٍ عميق وأحاسيس متجددة.

- لوحاتك تندرج ضمن تيار الحروفية العربية، ولكنك تذهب أبعد من مجرد استخدام الحروف كعناصر زخرفية، بل تجعلها جوهرًا وروحًا للوحة. ما الذي دفعك إلى هذا التوجه؟

في الحروفية تكمن مساحة بين الشكل والمعنى، بين الظاهر والباطن. لم أكن راضيًا عن جعل الحرف مجرد زخرفة أو تكرار، بل أردت أن أُعيد له الحياة، أن أحيله من مجرد علامة إلى كائن يستدعي التأمل، ويتنفس الوجود. هذا التوجه جاء من إيماني العميق بأن الحرف يحمل طاقة روحية لا تنضب، وأن اللوحة قادرة على أن تصبح وعاءً لحالة وجدانية تأسر الروح قبل العين.

- هل ترى في الحرف العربي نوعًا من الصلاة أو التأمل الروحي؟ كيف تصف هذه العلاقة بين الخط والحالة الروحية؟

بلا شك، الحرف عندي هو صلاة صامتة. الخط هو حركة الروح على الورق، هو همس داخلي بين الإنسان وربّه، تواصل صوفي لا ينتهي. عندما أرسم الخط، أشعر أنني أمارس طقسًا روحانيًا، وأن اللوحة تتحول إلى فضاء مقدس، حيث تتلاقى الروح بالكلمة المصورة. الحرف إذن ليس مجرد رمز، بل حالة من الخشوع والتأمل، ونبض في عمق الذات.

- الألوان، خاصة درجات الأزرق، تلعب دورًا كبيرًا في لوحاتك. كيف تختار ألوانك؟ وهل تعطيها دلالات محددة في سياق العمل الفني؟

الألوان عندي ليست عشوائية، هي لغة ثانية تعبر عما لا تقوله الحروف. الأزرق، بخاصة، هو لون السماوات، لون الصفاء والروح، لون الرحلة الداخلية التي لا تنتهي. أختر الألوان بعناية لتكون جسورًا بين الحرف والوجدان، بين المادة والروح. كل درجة من الأزرق تحكي حالة مختلفة من التأمل، وكل لون يحمل توقيعًا شعوريًا يمدّ اللوحة بحياة روحية.

- عبارة "هو الحبّ" تتكرر في أعمالك، وتبدو كأنها مركز ينبض بالحياة. ما معنى هذه العبارة بالنسبة إليك، ولماذا اخترتها لتكون قلب لوحاتك؟

"هو الحبّ" ليست مجرد كلمات، بل هي جوهر الوجود كله. الحبّ هو النبض الذي يحرّك الكون، هو الجسر بين الإنسان والله، بين الحرف والروح. اخترتها لأنها تلخص كل معاني الحياة والطاقة التي أرغب في إيصالها من خلال لوحاتي. هو الحبّ يجعل الحرف حيًا، واللون مشعًا، واللوحة صلاةً مكتملة. في هذه العبارة تجد كل الأفكار والمشاعر تتلاقى، وتنتقل من مجرد شكل إلى حالة روحية.

- هل ترى أن اللوحة الفنية عندك ليست فقط عرضًا بصريًا، بل تجربة حسية وروحية تفتح أبواب التأويل على مصراعيها؟

بالتأكيد. أريد من اللوحة أن تكون رحلة، ليست مجرد منظر جميل يُشاهد بل فضاء يُعاش ويُحسّ. اللوحة دعوة للغوص في الذات، للتأمل في ما وراء الكلمة والشكل. هي مساحة مفتوحة للتجربة الفردية، حيث لا حدود للتفسير ولا قيود للمعنى. أؤمن بأن الفن هو لغة الروح التي لا تنتهي، وأن كل مشاهد سيجد في اللوحة بُعده الخاص الذي يلامس وجدانه.

- . كيف توازن بين الأصالة والتجديد في أعمالك، خاصة في زمن تتسارع فيه التغيرات الفنية والثقافية؟

الأصالة هي جذور الشجرة، والتجديد هو أوراقها التي تتفتح في كل موسم. أحرص على أن تكون جذوري متينة في التراث العربي، خاصة الخط والحرف، لكني أؤمن بأن الفن يجب أن يتنفس اللحظة الراهنة. لهذا أدمج بين قواعد الخط العربي التقليدية وحريّة التعبير المعاصر، بين عمق الروح والابتكار، لأخلق تجربة فنية تحمل عبق الماضي وروح الحاضر معًا.

- هل تستلهم أعمالك من التراث الصوفي والروحي العربي؟ وكيف تتعامل مع هذا الإرث في سياق فن حديث ومتجدد؟

التراث الصوفي هو بحر لا ينضب من الرموز والمعاني، وهو بالنسبة لي مصدر إلهام أساسي. أستلهم منه تلك العلاقة العميقة بين الإنسان والكون، والحبّ الإلهي الذي هو جوهر الوجود. أتعامل مع هذا الإرث ليس كمرجع جامد، بل كحوار حي، أُعيد صياغته بلغة جديدة تحاكي الروح المعاصرة، فتتلاقى الأبعاد الروحية مع التجريب الفني الحديث.

- . ما هي اللحظة أو التجربة التي شعرت فيها بأن الحرف صار بالنسبة لك صلاة أو حالة روحية؟

كانت لحظة رسم الحرف لأول مرة على اللوحة بحريّة، دون التقيد بالشكل اللغوي المعتاد، حينها شعرت أنني أتجاوز حدود اللغة إلى عالم آخر. شعرت أن الحرف يحيا ويتنفس في داخلي، وأن كل خط هو نَفَس روحي، صلاة صامتة أمارسها عبر اللون والشكل. تلك اللحظة كانت بداية تحوّل الحرف من أداة إلى كائن، ومن كتابة إلى تأمل.

- كيف ترى مستقبل الحروفية العربية في المشهد الفني المعاصر؟ وهل تعتقد أن جمهور الفن يمكنه التفاعل مع هذه التجارب التي تتجاوز القراءة اللغوية للحرف؟

أعتقد أن الحروفية العربية تملك مستقبلاً مشرقًا لأنها تعكس جزءًا أصيلًا من هويتنا الثقافية والروحية. نعم، قد يكون من الصعب أحيانًا للجمهور العادي قراءة اللوحة حرفيًا، لكن الحروفية تتخطى القراءة لتصبح لغة شعور وبصيرة. الجمهور متعطش للمعاني العميقة، وللفن الذي يفتح له أبوابًا جديدة للتجربة. مع الوقت، ستنمو هذه اللغة الفنية وتتسع قاعدة متذوقيها.

- ما هو حلمك أو طموحك الأكبر كفنان؟ وما الرسالة التي تريد إيصالها من خلال لوحاتك؟

حلمي أن أصل إلى جمهور واسع لا يقتصر على المثقفين فقط، بل يلامس روح كل من يراها، أن تصبح لوحاتي جسورًا تربط بين الإنسان والكون، بين التراث والحداثة، بين الشكل والروح. رسالتي هي أن الفن قادر على أن يكون صلاة وتأملًا، رسالة حب وحياة، وأن الحرف ليس مجرد رمز بل هو نبض يحمل معنى وجودنا وجمالنا.

معرض الفنان صالح الهجر في دولة الكويت غاليري الأفينوز ويستمر حتى 31_6_2025

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol