الباب الضيق ..
ضحى عبدالرؤوف المل
" ليكن هدفكم الأول ملكوت الله وعدالته"
قراءة في رواية " الباب الضيق" للروائي أندريه جيد، ترجمة نزيه الحكيم.
يرفع أندريه جيد في روايته " الباب الضيق" من قيمة النفس الإنسانية الموصولة بقوى ماورائية، تلمسها الروح السامية بشوق قد يتغلب على أي أحاسيس أخرى من شأنها أن تقود الإنسان نحو الزوال، فالجوهر الروائي ارتكز على فكرة الباب الضيق، والقدرة على التحكم في أهواء النفس، ليتم الدخول من خلاله إلى عوالم متسعة مضيئة بنور داخلي هو النور الأزلي واللانهائي، حيث الحقيقة تتبلور بكل تجلياتها حسيا داخل النفس وأشواقها للخالق، فكلما تذوق الإنسان الحب ارتفع بسمو روحي نحو الحقيقة، لكن الدخول الرمزي من الباب يحتاج إلى يقين "أجهدوا أنفسكم للدخول من الباب إلى الضلال، وكثيرون هم الذين يمرون من هناك، لكن الباب والسبيل اللذين يؤديان إلى الحياة ضيقان، وقليلون هم الذين يعثرون عليهما" إن التصوف المسيحي في رواية أندريه جيد يكمن في الحب المؤدي إلى الحب الخلاق الذي يمنح النفس الرضى عن الذات، ويتركها مشبعة بالتصالح مع النفس والآخرين حيث" كل منا يجب أن يصل بجهده وحده إلى الله" فالأفكار الدينية سيطرت على الرواية من البداية إلى النهاية مع لمسات تركها في الرسائل التي تركتها أليسا، وهي بمثابة المفتاح الذي يفك به الغموض عن بعض المسارات الروائية التي حبكها، وحولها فيما بعد إلى تنوع من العرفان الذاتي" إن الإعجاب يتحول لدى النفوس النبيلة إلى عرفان"
أبعاد صوفية تكشف عن طهارة قلب، وقدسية الفكر الديني الذي تنتمي له أليسا أو جوليت ، ولضدية الحياة في تكوين أي ذكر وأنثى من ناحية الجسد أو من ناحية الفكر، وكأن هذا يؤدي إلى ذاك وبالعكس" إن ما يجب أن نسعى إليه هو انطلاق الفكر وسموه، لا تحرره ، ففي هذا صلف كريه ، فلنجهد في أن نخدم لا أن نثور" فما بين السرد الروائي والإيحاءات الإيمانية دلالية تقودنا إلى لمس التحرر الديني، وما ينتج عنه، والتقيد بالدين وما ينتج عنه، والأكثر أهمية هي التضحية والإيثار، فما فعلته أليسا مع أختها جوليت لم يغير القدر، لأن جوليت اختارت زوجا غير حبيب أختها الذي هجرته، لتبقى في حالتها الإيمانية ، وربما لأنها تكبره بأعوام، فاختارت عذرية حب إنساني، وعذرية أخرى هي بمثابة الحياة الخالدة التي تبحث عنها أليسا " وبرغم هذا أطلب إليك أن نلبث ريثما نتقدم شوطا آخر في الحياة."
ترجمة لم تخل من مفردات لغوية شبيهة بالمفردة القرآنية، أو بالأحرى ما نحتاج به إلى قاموس يرافق القارئ العادي، فالمترجم لم يمل إلى البساطة في الترجمة بل عقد اللغة، وحمل لواء الصقل اللغوي، ومنحها لغة عربية شديدة المعاني مثل "وأشجار عجاف تأكل حظها أخريات سمان" فاللغة العربية في رواية الباب الضيق قادت الفكر نحو المنفلوطي في ترجماته، أو كل ما من شأنه أن يبرز جمالية المفردة وتفخيمها، وجعلها كمحسنات بديعية تضفي على الرواية بعض الصور الجمالية المضافة من لمسة ترجمة أنيقة، ولكن المفردة القرآنية اندمجت مع الترجمة، إن التأرجح بين التماهي والتسليم والرفض للقيود الدينية التي التزمت بها أليسا اتخذت بعدا آخر، فالشك عند حبيبها هو إيمان لها، أو بالأحرى تعقل منطقي تلجأ إليه لا سيما أن فرق العمر بينهما ذكرته بلمحة لجأ لها أندريه جيد، ليبرر الحب العاقل الذي بينهما على الأقل من ناحية أليسا." لأن عقلي الطفل كان يعلق أكبر الأهمية على هذه البركة التي ينالها لقاؤنا"
تبحث أليسا عن جوهر الله في الحب الذي تشعر به يغمرها، وهذا منحها قدرة صوفية مسيحية واستسلام للقدر الذي لمست عجائبه حين قدمت تضحيتها لأختها بينما أختها تزوجت من رجل آخر، وأنجبت منه، وعاشت حياتها سعيدة، لأنها اعتقدت أنها بذلك بذلت ما في نفسها لسعادة الآخرين بينما الله منّ على أختها بزوج ملأ حياتها سعادة ، وفي هذا نوع من الندم الذي جعلها تشعر بالخطأ، فالقدر هو القدر، ولا يستطيع أي إنسان تغييره مهما فعل " إني لأفهم بكل قلبي: هو التلاقي الواحد في شيء واحد" .
اكتمال ذاتي في محبة خالصة لله أقدمت عليها أليسا، لطهارة تغمرها في الروح والنفس، لمسة تحسسها الحبيب بإضاءة قال عنها:" كل هذا كان يروي لقلبي طهرها وفتونها الحالم" فالإضاءة الروحية التي عاشتها أليسا منحتها قدرة على تكوين شخصية انفصالية متصلة بجزء ضئيل بالمجتمع الذي تحيا به تاركة الحب في رسائلها، ليحيا به وسط معان مكحلة بالأشواق التي كان يجهلها في فترة ما " وفي الحق كنت أراني سعيدا إلى قربها، سعادة كاملة يحاول معها فكري ألا يختلف وفكرها في أمر، ولم أعد أتمنى شيئا وراء ابتسامتها، وأن أسير معها وقد أسلمتها يدي، في طريق دافئ يرعاه الزهر "
إيهامات روائية تكشف عنها الرسائل بأسلوب شاعري يميل إلى الرومانسية المؤجلة في نفس أليسا التي صمتت عنها في إشارات ترسبت في ذاكرة القارئ، ليسترجع كل ما مر من غموض روائي في الرسائل التي تركتها كإرث دنيوي حيث امتد الفضاء الروائي إلى ما لانهاية، فالموضوع الرئيس للرواية هو القدرة على منح المحبة، وتحمل الصعاب للدخول من الباب الضيق إلى العوالم الحقيقية التي تحتاج إلى نوع معين من الاتصال الروحي أو التماهي في الذات" وقد أضاءت أمامي فجأة هذه الكلمة المقدسة التي كنت أرددها دون فهم عميق:" ويل للإنسان الذي يضع ثقته في الإنسان" لهذا هي انصرفت بكليتها نحو الكل الذي أبعدها عن الجزء الدنيوي أو الرغبات الزائلة، فهي تريده في عالمها المضيء متمنية أن ينتقل إليها روحا مليئة بالحب والسلام.
لم ينسلخ الروائي أندريه جيد عن البطل بل اندمج معه بذاتية شعر القارئ معه أن الروائي هو الشخصية الحقيقية في الرواية، والأفكار التي كان يحاور من خلالها القارئ، إنما أفكاره الروائية التي تتخبط بين الإيمان والدين، والشعائر والتصوف المسيحي المؤدي إلى طهارة روح امرأة أحبت بإخلاص، وابتعدت بإخلاص وماتت بإخلاص أيضا، لتبقى الرسائل هي الشاهد الوحيد على ما تكون في النفس من محبة متوازنة في الداخل ومتأرجحة في الخارج، فهل يمكن الدخول من باب ضيق بالجسد؟ أم هي الروح التي تحمل شعلتها أليسا فقط ؟ وهل رسم أندريه جيد في روايته صفات شخصية لمن يدخلون من هذا الباب؟.
رسائل وجدانية شاعرية تركها في نهاية الرواية، لتحاكي الأحداث بموضوعيتها وفكرها الديني التصوفي المحمل بطهارة امرأة انجذبت نحو الله بفكر ماورائي مضيء يبحث عن الكل المتكامل، والحب الأبقى في النفس والروح والجسد القادر على مواجهة الصعاب، وتذليل النفس لمتابعة المسير نحو الباب الضيق، لتدخل منه كالنور الخارج من عتمة أمسكت به، وأضاءت ما حولها لتنير دروب الآخرين.
إن الشعلة الأساسية المنيرة في الرواية هي الحب وتفاصيله وقدراته على التجلي وفتح النفس أبوابها لتتجه نحو الصفاء" لا يا جيروم، لا، لسنا، بفضيلتنا، إلى ثواب الآخرة نطمح ، وليس ما يريده حبنا بالجزاء، فالنفس النبيلة يجرحها تطلب الأجر على جهد مبذول، وليست فضيلتها بحلية تزدان بها، ولكنها قالب جمالها نفسه" إن الباب الضيق هو رمز ديني حمل معانيه أندريه جيد بعد أن ضاقت المشاعر واتسعت، لتأخذ منحة الإخلاص والوفاء لمن أحبها حتى بعد الموت، لأنها كانت تحيا في أعماقه بعد أن دخلت من" الباب الضيق" إلى حيث تنعدم الرؤيا، ويشتعل الوجدان.
Doha El Mol