«مسيرة التعلُّم عند العرب» د. عبد الإله ميقاتي يعرض مبادئ أساسية في التعلم والتعليم
الأربعاء، 25 كانون الأول 2013 الموافق 22 صفر 1435 هـ
غلاف الكتاب
يعتمد دكتور «عبدالإله ميقاتي» في كتابه الصادر عن الدار العربية ناشرون «مسيرة التعلّم عند العرب» على مصادر ومراجع متعددة، ليستخرج نقاط القوة في كل مرحلة شرحها بإسهاب، منطلقًا من الحاضر نحو الماضي، ليعود بنا إلى الواقع معالجًا مسيرة التعلّم مبتدئًا بالعرب في بعض محطاتها وخصائصها التعليمية. فالقراءة في كتاب مسيرة التعلّم تشبه رحلة نخوضها بمغامرة فكرية، تأخذنا نحو العديد من المفكرين والفلاسفة والأدباء أمثال «مايكل هارت» و«ويليام جلاسر» و«المستشرقة الألمانية» زيغريد هونكه» وغيرهم، ومع التحديات التي ظهرت مع الإسلام ودعوته إلى طلب العلم، والغنى المعرفي الذي ظهر في أروقة المساجد والكتاتيب مقارنةً مع أديرة الغرب، والكتب التي رُبطت فيها بسلاسل خشبية. محاولًا عرض النظريات والأقوال في خصائص التعليم ضمن عصر الحضارة الإسلامية. «فإذا ما تربّى الإنسان مقرًّا بأن علمه ليس إلا فيضًا وفضلًا ونعمة من خالقه» فإن المصطلحات التعليمية والتربوية في هذا الكتاب هي ما استخلصه دكتور «عبدالإله ميقاتي» من مفاهيم معرفية تقود الفكر نحو مهمة المسجد الأول في الإسلام خصوصًا أنه كان مفتوحًا للجميع، للغني والفقير على حد سواء.
تنضوي أفكار الكتاب على جمالية بلاغية في الشرح والتحليل، والتقاط المعاني من الماضي المشرق، والحاضر الأليم، والغد المرتجى، مستشهدًا بمقالة للكاتبة «منيرة أبي زيد» والإحصاءات حيث تذكر الكاتبة «أن نسبة القراءة في العالم تتأثر بنمو التكنولوجيا والتحولات السياسية، وتغزو تدهور نسبة القراءة في العالم العربي إلى الأمية وثمن الكتاب» وأن «انخفاض نسبة القراءة في العالم العربي تتسبب بضعف في نسيجها الفكري. كما أن ارتفاع ثمن الكتب يمنع البعض من القراءة، فهل هذا هو سبب تدهور الحضارة الإسلامية؟» خصوصًا أن العرب باتوا الحلقة الأضعف في سلسلة الحلقات الدولية. وفي كل أزمة يمر بها العالم».
تجاوز دكتور «عبدالإله ميقاتي» في كتابه الأفكار التي تستوعب الماضي ونواقصه، لتحقيق قدرة في الانتقال بالقارئ من خاصية استخلصها كقارئ للعديد من المراجع إلى متلقٍ. يستعرض معنا المفاهيم التي رسخت في ذهنه معتمدًا على العرض والتحليل، لنصل معًا أي الكاتب والقارئ إلى الفهم والاستنباط، ولنشعر بالأمل في بناء حضارة إسلامية تعود أدراجها نحو الانطلاقة الكبرى، والصعود نحو القمة مجددًا تاركًا الإجابة على سؤاله مفتوحًا فيقول: «هل تكفي هذه العوامل للقول ببدء أفول الحضارة الغربية، وصعود الحضارة الإسلامية من جديد؟».
ولكن لو نظرنا فعلًا إلى واقع التعلّم في الشرق، لوجدنا أن سبب الوهن هو لأننا ابتعدنا عن اللغة العربية، وما تمتلكه من مرونة قادرة على جعل التفكر ملكة لا يمكن لأي لغة أن تتسبب في هذا، واصفًا دكتور «عبدالإله ميقاتي» اللغة بوعاء الفكر. لهذا نجد في الفصل الرابع من الكتاب عنوانًا فرعيًا هو «الجرح النازف» ليمنح الصورة البلاغية لهذا الفصل قوة توحي بالإشراقة بعد شفاء الجراح، وبعدد «المستشرقين المتزايد الذين يتعلمون اللغة العربية الفصحى». فهل يحاول دكتور «عبدالإله ميقاتي» بث نظرة تفاؤلية تبدأ من نظرة دقيقة لواقع الحضارة الإنسانية التي تمر بأزمة إلى العالم الغربي، وما يعانيه من انحدار في التربية والأخلاق معتبراً أن هذا يأخذ بالحضارة الغربية نحو الضعف والانهيار، ولكن السؤال هنا: أليست الحضارة العربية الآن هي المقلدة وليس المبتكرة؟.. وهذا ما طرحه لاحقًا بعد أن شرح عوامل انهيار الحضارة الغربية مع عوامل نهوض الحضارة الإسلامية من جديد، وحيث ذهب كل من برنارد شو وأرنولد توينبي إلى «أن الحضارات تسقط في اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن قوته أشد من قوة الدين».
فلسفة التربية والتعليم وما تضمه من شمولية يصف فيها التربية في العديد من الدول: ماليزيا، الصين، واليابان وصولًا للمرحلة القيصرية والولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى المرتكزات الثلاثة التي نجح دكتور عبدالإله في شرحها، وما تتضمنه الصفحات القليلة في هذا الباب من قيمة تربوية يدعو فيها إلى اقتران القول بالفعل والعمل: «من أهم عوامل النهضة الإسلامية، وسرّ قوة حضارتها وسرعة انتشارها، كان ما أمر به الإسلام وحض عليه في طلب العلم بشقيه، علم الدنيا وعلم الآخرة، مع اقتران ذلك بالعمل وجعله جزءًا من عبادة الإنسان لربه».
مبادئ أساسية في التعلم والتعليم استعرضها من جوانب نقدية متعددة، مشيرًا إلى الأبعاد التاريخية والاستفادة منها ليتم التعلم من الأخطاء في الماضي وإصلاحها في الحاضر، لتتكون الأمة الإسلامية مجددًا من الخُلُق والأخلاق، والتعلم المثمر والانطلاقة بالعقل بعيدًا عن الغرائز والشهوات. وهنا قد يتساءل القارئ قبل أن يصل إلى التساؤل الذي طرحه دكتور عبدالإله في المرتكزات الثلاثة: «ما هو سر الحضارة العربية وقوة انتشارها في العصر الحاضر؟». فالاقتناع التام بتحليلاته يجعل من الأسطر الأخيرة في كل باب هي بداية لمفاهيم جديدة يتركها للقارئ ليتفكر بها، مشددًا على «تلازم الإيمان والعلم، ليأتي العمل مكملاً لهما ومتممًا وناقلاً من حيز التنظير إلى حيز التنفيذ».
مفاتيح تربوية نحتاج للإمساك بها لكي نفتح أبواب العلم والمعرفة، ونسير في طريق الحكمة، حيث بقدر ما تتسع دوائر المعلومات والمعرفة عند الإنسان، بقدر ما يضيء عقله، وتصبح الحياة أكثر تألقًا وغنىً وإبداعًا وتجددًا. متناولًا بعد ذلك دور التكنولوجيا في تطوير التعليم من زوايا متعددة، ومن أهمها أن سياسة التعليم في العالم العربي تفتقر إلى الوضوح في الأهداف عمومًا، وتفتقر إلى صياغة دور التكنولوجيا والإيجابيات المتعلقة بهذا، ليضعنا مباشرة أمام التعليم التقليدي والتعليم الحديث، حيث إن التعليم التقليدي يرتكز بالدرجة الأولى على الحفظ وتنمية ملكة الذاكرة، بينما التعليم الحديث هو تفاعلي بالدرجة الأولى يرتكز على التحليل وتنمية المهارات للوصول إلى مرحلة الإبداع والاكتشافات.
في الخاتمة دعوة إلى ثورة تربوية وتعليمية، لأنه لا يجوز بأن نجري بناء المستقبل بأدوات الماضي، بل يجب أن يكون بأحدث ما توصل إليه الحاضر من أدوات وتكنولوجيا، مستعرضًا الجوانب المتعددة المساعدة من حث ارتباط التربية بالعقيدة الدينية والقيم الحميدة، والغاية والهدف في التعليم مع الحداثة في المناهج التعليمية وما تتضمنه من تحديث وإعدادات لتحقيق النهضة التعليمية التي نرجوها على صعيد عربي أولًا، ومن ثم إسلامي يحقق لنا الصعود نحو القمة مجددًا.
بحث يسهل حفظه في الذاكرة، لأن الترتيب والصياغة اكتسبا من المفاهيم التحليلية ما يكفي، لتصل الفكرة إلى القارئ كي يتوسع بالبحث ذهنياً، ويصبح قادرًا على النهوض بنفسه والانتقال بأفكاره نحو التعلّم قبل التعليم، ولينهل من العلم ما يساعد على نهضة فكرية شاملة. مكتفيًا دكتور «عبدالإله ميقاتي» بوضع الأفكار والاستنتاجات أمام المتلقي بعد العرض والتحليل. ربما تنتفض العقول وتحقق قدرة على خلق ثورة تعليمية تساعد على النهوض مجددًا بحضارة إسلامية مضيئة.
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=189633
تم نشره عام 2013