قضايا الفن التشكيلي المتأرجحة بين الجودة الفنية والحركة التسويقية في لبنان عام 2013

ضحى عبدالرؤوف المل

يتواصل الجدل حول قضايا الفن التشكيلي، فتتصف المعارض بصفات شتى، منها التجارية البحتة، ومنها تلك التي تبحث عن الجودة والنوعية، ومنها من يستطيع إتقان الفن التجاري لتسويق لوحات ذات مقاييس فنية تستحق أن تتواجد بمعرض دائم أو متحف فني، ومنها ما هو قادر على تشجيع المواهب والبحث عن مجالات فنية عالية الجودة تتصف بالأهمية، لأنها تعالج قضايا اجتماعية أو سياسية أو أدبية أو حياتية بلغة فن تشكيلي يسمو بالحواس نحو جماليات موضوعية، ليتخطى المتلقي الحواجز القرائية للوحة باعتبارها نصًا بصريًا مفتوحًا على تأويلات متعددة، فهي تمثل في حد ذاتها مواضيع فنية ذات هندسة تعتمد على تقنيات متعددة، تمنح المتذوق مسافات تخيلية مدهشة خصوصًا الهندسية والجيومترية بامتياز. فهي تفتح آفاق البصر نحو فضاءات قوية التأثير من معاييرها اللونية وأهدافها الفنية التي تتأرجح دلاليًا بين الذاتي والموضوعي، لتؤلف رؤية تجمعنا وتفصلنا عن الواقع في آن.

تسود المعارض مناخات فنية لا تخلو من منافسات على النوعية لا على الكمية، وعلى جودة اللوحات لا على الأسماء، فبعض المعارض موشومة بمدارس فنية معينة، والبعض الآخر يستضيف من الخارج الوجوه الفنية التي تحمل صفة الجمال الفني، ليتوج لبنان بثقافات فنية مختلفة ذات قيمة تتخطى كل الشعارات التقليدية. لنلمس بجدية مستويات يحق لها أن يستضيفها لبنان بكل جدارة في كل عام. إلا أن هذا العام أطلت علينا "هوغت غالان" وهي من أصل لبناني بأعمالها الاحترافية فنيًا والمتميزة بجماليات القلم والحبر، والألوان المختلفة مع الخطوط والزخرفة المصممة بدقة، تتميز بتداخلات تتصف بحياكة نسيجية لها أصولها التشكيلية المدهشة بكل تفاصيلها الفنية. أيضًا استضاف غاليري "اليس مغبغب" "كاي لوكلرك" مع أعماله الفنية التي تتميز ببساطة في الشكل مع هندسة عميقة فكريًا تتوافق مع وحدة الخط رغم شفافيته وفواصله، مع المحافظة على أسس علمية فسيولوجية انطلق منها "كاي لوكلرك" لتحقيق الفن التعبيري في المفهوم التجريدي الهندسي، ليخلق أبعادًا فنية أكثر عمقًا ودلالية، فيصوغ أشغاله وفق أبجدياته المبتكرة، والفراغات المتكونة بين بعدين، ولونين، وشكلين، وهذا ما يثير التجدد في لوحات مساحاتها توحي بالبعد الحركي لأشكال سابحة في فضاءات لوكلرك الخاصة.

إن الرؤية الفنية تتميز بالجمال وبمؤثرات حسية تدفعنا نحو تأملات فكرية تثير المعرفة. لنستكشف ببساطة غموض الأساليب الفنية، ونستمتع بوضوحها الفكري أو الشاعري، مما يعمق هذه الرؤية لتبدو الحضارات مقروءة بريشة الفنانين الحاملة مفاهيمهم، وتأثيراتهم، وانطباعاتهم التي تتم ترجمتها باللون والخط، والمساحات القماشية أو الجدارية أو الفوتوغرافية، لتظهر أفكارهم كنص مقروء أو كقصيدة موزونة تحمل قيمًا جمالية أو تطرح موضوعًا أساسيًا، لينتقد بذلك سياسة ما كما في لوحة "جيراردو غوميز" التي تطرح موضوع الصراع السوري، وتأثيراته على المحيط العالمي بأسره، فما حملته لوحته من فنتازيات متعددة جعلتها تؤرخ لنظرة فنية تسجل تاريخيًا تواجدًا فنيًا تشكيليًا معاصرًا، حيث جمع فيها وجوهًا لأقطاب سياسية عالمية في ثورة انطبعت بصراعات أطراف سلطوية متعددة، تمثلت باللوحة من خلال الأشكال المتزاحمة، والواعية فنيًا لما يحدث في العالم. كما حمل "منير الشعراني" لوحاته الحروفية المتميزة بدقة الخط والاحتفاظ بأصوله وجماليته في لوحات جمعت جمالية المعنى والمبنى بالأسلوب الباحث عن زخرفة انحصرت بالنقطة والشدة والمد، وكأنه يتبع رؤية تعكس حركة (الطول، والعرض) في صرامة شديدة يمارسها على القلم، لتشعر أن أداء القلم يتوافق مع حركة اليد والحرف وفقًا لسلطة العقل وأبعاده الجمالية، المشبعة بحركة كونية تظهر قوة الاتجاه أو جمال الطواف الدائري، فهو بذلك يحدد اتجاهات كل حرف يمتد أو يستدير أو ينبسط متقاربًا أو مبتعدًا، رأسياً أو أفقياً أو مائلًا، فتشعر بامتزاج الحروف بما يكفي لتلامس الخط اللامتناهي للنهايات والبدايات، مما يجعلك تقرأ ما هو مكتوب في اللوحة أكثر من مرة لا إراديًا.

يتسع الوعي الفني على مر الزمن حيث نشهد تطورات في المجالات الفنية بشكل عام، ومنها الصورة الفوتوغرافية وقدرتها على منافسة الفن.