نسمات أيلول- كوميديا اجتماعية تسلط الضوء على تقلبات الحياة الريفية

ضحى عبدالرؤوف المل

إذا كان الفن هو مرآة للمجتمع، فمسلسل "نسمات أيلول" هو بالتأكيد مرآة غنية تعكس تفاصيل الحياة الريفية السورية بأسلوب مميز من الكوميديا والدراما الاجتماعية.

وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر مليء بالتحديات والمشاكل الاجتماعية التي تتنوع بين الحضر والريف، فإن هذا المسلسل يأخذنا في رحلة ممتعة بين أروقة قرية صغيرة حيث تتشابك الأجيال في مواقف طريفة، أحيانًا مؤثرة، وأحيانًا مؤلمة. فهل هذه الشخصيات تحمل مرآة المجتمع الريفي؟ أم أن حياة الجدة أم فواز هي حيوات جدات كثيرات خاصة في هذا الزمن؟ وهل جمالية ثلاثية الأجيال في "نسمات أيلول" تحمل عبقًا إنسانيًا؟

شخصية رولا، التي تجسدها الفنانة نادين تحسين بك، هي تلك الفتاة الحضرية التي تنتقل من مدينة كبيرة في أستراليا إلى الريف لاستكشاف جذورها العائلية ومواجهة تحديات الحياة الريفية. تجد نفسها في قلب البيئة الريفية، بين الأجيال المختلفة؛ الأجداد، الآباء، والأحفاد، حيث تلتقي بتفاصيل الحياة اليومية التي لم تكن تعرفها من قبل. هذا التلاقي بين الجيل القديم المتمسك بتقاليده والجيل الجديد الباحث عن الحرية والتغيير، يُظهر لنا الصراع المستمر بين الماضي والمستقبل، مع صعوبات الشباب الحافلة برفض الفكر الوظيفي وابتعاد الجيل عن حب العلم. فهل رولا، التي تأمل أن تعيش حياة هادئة في الريف في فترة بقائها لإجراء حصر الإرث لوالدها، تكتشف بسرعة أن الأمور ليست بهذه البساطة؟ فبيئة الريف ليست مجرد هدوء وجمال طبيعي، بل هي أيضًا مليئة بالمشاكل الاجتماعية التي قد تكون بعيدة عن عيون المدينة، سواء كانت مشاكل التعليم، البطالة، أو حتى صعوبة التنقل أو حتى الشباب العاطل عن العمل.

لكن الأمر الأكثر إثارة في هذا المسلسل هو شخصية الجدة أم فواز، التي تجسدها الفنانة القديرة صباح الجزائري. فالجدة أم فواز هي مثال للأم الحنون التي تتمسك بالقيم التقليدية وتسيطر بذكائها على محيطها العائلي. نرى فيها الحكمة التي تنتقل عبر الأجيال، ولكن أيضًا نرى الفجوة بين الأجيال التي تكشف عن تصادم مفاهيم الماضي والمستقبل. فالجدة، رغم تميزها في تسيير الأمور بحكمة، تصطدم بواقع الأحفاد الذين يحملون أحلامًا وطموحات قد تكون بعيدة عن واقعها.

إذا كان هناك شيء يميز مسلسل "نسمات أيلول"، فهو المزج الرائع بين الكوميديا والدراما الاجتماعية. المسلسل يقدم لنا مواقف مليئة بالسخرية الاجتماعية، حيث يتم تناول قضايا مثل صعوبة الحياة في الريف، عدم توفر فرص العمل، وتأخر الشباب في تحقيق طموحاتهم. ورغم أن هذه المواضيع قد تبدو ثقيلة في مسلسلات أخرى، فإن "نسمات أيلول" يعرضها بطريقة خفيفة الظل، مستفيدًا من الكوميديا التي تجعل المشاهد يضحك بينما يفكر في القضايا المطروحة.

على سبيل المثال، نشاهد شخصية العم نبيل، الذي يجيب على سؤال صحفية تسأله عن أسباب تدهور التعليم في القرية، بإجابة غير متوقعة تتعلق بعدم وجود "شغف" لدى الجيل الجديد. هذا الموقف ليس مجرد تعليق فكاهي، بل هو نقد اجتماعي جاد يعكس مشكلة حقيقية يعاني منها كثير من الشباب في المجتمعات الريفية. هل نحن حقًا نعيش في مجتمع لا يحفز الشباب على التعلم؟ هذا السؤال يُطرح هنا بشكل غير مباشر عبر الحوار الكوميدي، مما يجعلنا نعيد التفكير في الواقع الاجتماعي الذي نعيش فيه. فهل الدروس الإنسانية واللحظات المؤثرة في "نسمات أيلول" كنسمة حياتية هي كالشهيق والزفير؟ وهل مشكلات الزراعة في الريف أيضًا من الجهل الفاحش الذي قاله نبيل للصحفية؟

لا يمكن إنكار أن "نسمات أيلول" يقدم لنا أيضًا لحظات إنسانية مؤثرة، تضاف إلى المواقف الكوميدية التي تحمل رسائل عميقة. فالعلاقة بين الجدة وأحفادها، مثل انتظارهم لطبخة الملوخية أو الأرز بالحليب، هي رمز للتقاليد والعلاقات الأسرية الدافئة التي لا تزال تتمسك بها بعض الأسر الريفية. وفي المقابل، نجد أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية تفرض نفسها على هذه العلاقات، مما يجعلنا نشعر بالأسى على ما قد نخسره إذا استمر التقدم يبتعد عن هذه القيم البسيطة.

والأهم من ذلك هو العلاقة بين رولا وأقاربها، حيث يُظهر المسلسل كيف أن هذه العلاقات يمكن أن تكون معقدة، خصوصًا عندما تتصادم الأحلام الشخصية مع الواقع الاجتماعي. هل سيكون على رولا أن تتخلى عن حياتها في أستراليا لتتأقلم مع البيئة الريفية؟ وهل يمكن للجيل الجديد أن يجد توازنًا بين تطلعاته وبين تمسكه بجذوره؟ وهل الطبيعة الريفية وجمالها فقط للاستجمام وهي التي ينقصها الكثير من الاستثمارات لنجاح ذلك؟ وهل نحن بحاجة للتغيير؟

يتناول المسلسل أيضًا العديد من الأسئلة الوجودية التي قد تكون مرهونة بتغير المجتمع العربي في الوقت الراهن. هل لا يزال هناك مكان للأجيال القديمة في المجتمعات الحديثة؟ وهل يمكن أن يُعاد اكتشاف القيم التقليدية في زمن السرعة والتكنولوجيا؟ من خلال شخصية العم نبيل، الذي يقدم إجابات محيرة، نجد أن المسلسل لا يسعى لإعطاء حلول جاهزة، بل يترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة.

أما من الناحية الدرامية، فإن "نسمات أيلول" يقدم قصة واقعية تمزج بين مشاكل الجيل الجديد والصدام مع تقاليد الجيل القديم، وهي محور دائم الإثارة في أي عمل درامي. ولكن ما يميز هذا المسلسل هو أنه يعرض هذه الصراعات بشكل خفيف وسلس، ويحرص على أن تكون اللحظات المؤثرة ممزوجة بالكوميديا، ليقدم تجربة مشاهدة ممتعة دون أن يفقد رسالته الاجتماعية. فهل طلاب الريف أحق من طلاب المدينة؟ وهل قروض الدولة التعليمية يحتاجها الجيل الجديد حاليًا أكثر؟

من خلال الطاقم التمثيلي المميز، مثل صباح الجزائري ونادين تحسين بك وغيرهم، يقدم المسلسل أداءً قويًا يضيف بعدًا إنسانيًا للعمل، حيث يتفاعل النجوم مع الأحداث بطريقة تجذب المشاهدين وتلمس قلوبهم. حتى وإن كانت الضحكات تتناثر بين المشاهد، فإن الحكايات التي تُروى تحمل عمقًا إنسانيًا يعكس الواقع الذي نعيشه.

في النهاية، يمكن القول إن "نسمات أيلول" ليس مجرد مسلسل درامي أو كوميدي، بل هو نقد اجتماعي يحمل في طياته الكثير من الأسئلة عن مجتمعاتنا الريفية وعلاقتها بالعصر الحديث. من خلال المزج بين الفكاهة والدراما الاجتماعية، يُقدم لنا المسلسل رؤى حقيقية وصادقة عن الحياة في القرى السورية بشكل خاص والقرية العربية بشكل عام، ويناقش قضايا قد تكون محط اهتمام كبير في ظل التغيرات التي يمر بها المجتمع في ظل كل هذه التكنولوجيا الحديثة. ومع تقديم لحظات إنسانية صادقة وأداء تمثيلي مميز، يجعل المسلسل من نفسه تجربة فنية مليئة بالدروس والتأملات التي تظل عالقة في ذهن المشاهد. ويمكنني القول أننا نحتاج لمثل هذه الكوميدية الإنسانية وبشكل خاص المجتمعية

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=870898&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=