العناصر المؤثرة في إبراز حقائق المادة في فن النحت
ضحى عبدالرؤوف المل
تستمد منحوتات الفنان "عزت مزهر" (Ezzat Mezher) حركتها من قوة الرؤية التخيلية، المؤسسة لخطوط تميل إلى تموجات يشحنها بمضاعفة العناصر المؤثرة في إبراز حقائق المادة في فن النحت، التي تستوجب تلازم الخطوط الغائرة مع موسيقى الحركة، والتشظي الذاتي بين التلاشي الكلي والجزئي حتى ليظن الرائي أن القطعة الفنية خرجت من حركة المد والجزر، وبأفكار نحتية مرتبة ضمن مقطوعة فنية حاول الفنان "عزت مزهر" سبر أغوارها قبل اكتشافها واستخراجها من المادة الجافة. ليمنحها ليونة النحت بتمهيد بصري يوحي بالتعبير المنطلق من قوة الأنا نحو الآخر فاتحًا للبصيرة صيغة جمالية شديدة العمق مبنية على المألوف واللامألوف، ومرفقة بأنماط نحت بارزة وغائرة، مما ينعكس على الكتلة وتوازناتها، وحسية التموج الحركي الموشى بالمعنى الباحث عن القيمة الجمالية في الطبيعة الإنسانية الحية المتجلية في التعبير الداخلي للمنحوتة، والقدرة على استقرائها بتناغم بين اليد والفكر، وبين النحات والرائي عبر محاور النمط العاطفي المتمسك بالشاعرية ووجدانية الخطوط. لصنع التخيلات ليلتقي الواقع مع الخيال بتعبير ذي فواصل تتقارب الأبعاد من خلالها للتخفيف من وطأة ثقل المادة في الكتلة، وبتوليف هارموني ذي هواجس تسري عند الاسترسال في تأمل منحوتاته التي تجود بالحركة وبالحس الهادف إلى استخراج باطن المعنى لكل منحوتة يرصد فيها نقاط التضاد والتوافق في الكتلة، وبتشابه وتماثل بين الخطوط وإيفاعاتها المسيطرة على النغمة المستقلة في المعنى المثالي للإنسان.
منظومة نحتية تمثل مجموعة من الأسس الجمالية التي تتضمن مجسماتها أبعادًا تنقل لمتأملها الحس الواقعي المصقول بالمادة، وشدة تعبيرها التي يؤكد من خلالها الفنان "عزت مزهر" على الطابع العفوي المتضمن العاطفة وشدتها، وعلى الطابع الوظيفي المتضمن المادة وقواعدها، وكأن نظريته في النحت مرتبطة بنظرته في فن العمارة، وبالعودة إلى إيحاءات الأهرامات وأبو الهول، والعضلات الخاضعة إلى النحت الغائر والبارز، والمتميزة بالقوة والصلابة، وبالحركة العميقة التي استطاع مزهر تطويعها، لتتماشى مع أحاسيسه أولًا، ومن ثم مع يقينه في إبراز قيمة الجمال والمكونات الخاضعة، لمفهومي الباطن والظاهر بتناسب وتشابه وتماثل، مما يسمح بحالة من الوعي، الرقة والقساوة مع هالة من التماسك الناطق بالتآزر والتوالف الخلاق.
تتسع منحوتاته عامة للخطوط بمفرداتها كاملة، مما يجعله يغرس فيها محبته لليونة قبل القساوة، مترجمًا انفعالاته مع نظرياته بفلسفة لها إبداعاتها المصقولة بالتعبير والقدرة على تشكيل تستأنس له النفس، وتصغي له الحواس كشعلة جمالية تضفي على المعنى والمبنى حيوية الإيقاع والتقاسيم الخاصة، التي تنصهر مع الفكرة أن في الطبيعة أو الإنسان والجماد التي تظهر بوضوح بين ثنايا الحركة النحتية في أعماله. إذ يحتفظ بروح التقشف والزهد المتمثل في الحيوية الروحانية والوصال العميق بينه وبين كل منحوتة يحاكيها، إما بازميل أو بلمسة كف أو إصبع أو بتجويف ذي مسار نجد في أطرافه فسحة تتلاقى عندها الخطوط والمعاني الأخرى. ليجسد بذلك عالمًا من الأخيلة المختلطة بمعادلاتها في الاتساق والانسجام وبمنظار نحتي ثنائي النظرة كثير الدلالة استدلالي الصيغة مرتبط بالخصائص الإيحائية وشحناتها الشعورية المؤثرة على الرؤى الحضارية لفن النحت.
منحوتات الفنان "عزت مزهر" (Ezzat Mezher)
تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2017
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com