عفاف مطر للواء: لا أحب التأويل كثيرًا، لكن حين نتحدث عن القوة فهي فلسطين، وحين نتحدث عن الجمال فهي الشام.

حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل

لجأت الروائية "عفاف مطر" إلى أكثر الأنواع الأدبية جدلية، إذ تمردت على القواعد الروائية وأظهرت تشويقًا خياليًا في كتابها "أمسية اللازورد"، الذي عززته برحلة "الأنا" مع شعراء ما زالت قصائدهم تتردد على الألسن، وفي الكتب، وعبر أصوات بعض المطربين والمطربات.

فتحت الخيال ليعيش القارئ مع "الأنا" رؤية هي بمثابة تضحية قدمتها "عفاف مطر" في كتابها، لتجعل من النقد مسرحية – إن صح التعبير – إذ يبدو الكتاب كجزء من مسرحية يمكن استكمالها بأسلوب محبب وتحفيز تخيلي، يضعنا أمام قصائد تميزت بالوطنية والحب، وجمعت نزار ودرويش بحوارات تشبه عمليات التنقيب عن الألماس، ليستمتع بها من يريد الحصول عليها، ويبقى من اكتشفها طيّ الزمان.

ومع مؤلفة كتاب "أمسية اللازورد" الصادر عن "دار نلسن"، عفاف مطر، أُجري هذا الحوار:

– هل تنتقدين دواوين الشعر الفارغة في روايتك أمسية اللازورد؟

أبدًا، لا أنتقد أحدًا، فلست مؤهلة لذلك، لكني أنحاز لإحساسي، وإحساسي ينحاز للجمال. إذا ما رأيت جمالًا، لا بد لي أن أتحدث عنه وإليه. إذا ما تأثرت بكلمة، فإني أعيش معها شهورًا طوال، ونادرًا ما يحصل ذلك. وحين أحب... أحب بصدق، من دون هوادة. وقد أحببت نزار ومحمود درويش حدّ التنفس، وأعترف هنا، كما اعترفت في الرواية، أن حبي لدرويش حب أفلاطوني، من دون شك.

– هل أعتبر عودة نزار ودرويش "الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا"؟ أم هي صحوة المعرفة عبر الخيال؟

أنا لا أؤمن بالموت أبدًا. وأعرف أن الرواية قد تبدو للقارئ خيالية لأن أبطالها ليسوا على قيد الحياة، لكن صدقيني، بالنسبة لي، هي ليست كذلك. هم أحياء عندي يرزقون، ولقد عشت هذه الأمسية بكل تفاصيلها.

– دفء ورومانسية وصور خيالية لحقيقة تنتمي إليها عفاف مطر، ما هي؟

الطبيعة، والموسيقى، واللوحات الفنية... تلك مصادري التي لا تنضب أبدًا، ومنها أستمد كل القيم الأخلاقية والجمالية. ولا يمكن أن تخلو لحظة واحدة في حياتي من دون أن أسمع موسيقى، أو أرى منظرًا طبيعيًا، أو لوحة، حتى لو أن راسمها طفل صغير.

– لماذا أمسية اللازورد بين فلسطين والشام؟ وبرمزية مبطنة وقوية؟

لا أحب التأويل كثيرًا، لكن حين نتحدث عن القوة، فهي فلسطين، وحين نتحدث عن الجمال، فهي الشام. أحب أن أكون قوية وجميلة، وأحب أن يكون فارسي قويًا وجميلاً، لن أرضى بأقل من ذلك. فلسطين والشام تُكملان بعضهما بعضًا بشكل مخيف... هكذا أشعر. وهكذا يُكمل درويش نزار... الفكر والعاطفة.

– هل يتحكم بك خيال القصائد، أم حقيقة الصراع المتأجج كالموقدة؟

الصراع ألجأني إلى الخيال، فأنا أدرك تمامًا أن الحقائق "الخالصة" تكمن في الخيال فقط، وليس لها وجود في الواقع.

– أسلوب انتقادي تقمّصته الرواية؟ فن الممكن روائيًا؟

لم يكن انتقاديًا بقدر ما كان محاولة للفهم... ولم يكن حوارًا مع درويش ونزار بقدر ما كان حوارًا بين عفاف وعفاف، التي هي "الأنا".

– هل هو فن الممكن روائيًا؟

الفن بابٌ مفتوح، والرواية فن... ليرضَ من يرضى، وليأبَ من يأبَى. لا قوانين.

– غموض أمسية اللازورد، فكّ أسرار الرؤية في القصيدة؟ ما رأيك؟

لم تكن محاولة لفك أسرار القصيدة، بل البحث عن مفاتيح نزار ودرويش، ودرويش في المقام الأول.

– كلمة أخيرة من عفاف مطر إلى الشعراء؟

أرجوكم، لا تتوقفوا.

هذا الحوار يدور حول رواية "أمسية اللازورد" للكاتبة عفاف مطر، وهو عمل يتداخل فيه الأدب مع الخيال والتأملات الفلسفية في الجمال والقوة والشعر والوجود. تعتمد الكاتبة على شخصيات شعرية عربية راسخة – نزار قباني ومحمود درويش – لبناء حوار داخلي عميق، يوظفهما رمزيًا وأدبيًا في تجربة ذاتية وشعرية بالغة الحساسية. الكاتبة لا تستخدم الرواية كوسيلة روائية تقليدية، بل تتخذ منها شكلًا هجينيًا بين السيرة الذاتية، والتحليل النفسي، والتخيل الحر.

الأسلوب التحليلي والتأويلي في الحوار يكشف الآتي:

النقد الذاتي عبر "الأنا":

الحوار يكشف أن الرواية ليست فقط قراءة للشعراء الكبار، بل هي أيضًا حوار بين عفاف مطر وعفاف مطر. الأنا هنا ليست فردية محضة، بل هوية فكرية تبحث عن الذات في الآخرين، وتعيد إسقاطها على الواقع والخيال.

تمجيد الخيال بوصفه "حقيقة عليا":

تعلن الكاتبة بوضوح أنها لا تؤمن بالموت، وأن "الحقائق الخالصة" لا توجد في الواقع بل في الخيال. هذه الرؤية ترتبط بنزعة رومانسية مثالية، تعيد إحياء الرموز الشعرية كأنها كيانات حية، ما يعيد للقارئ تساؤلات حول ماهية الحقيقة في الأدب.

توظيف الرمزية السياسية والجمالية:

تشير الكاتبة إلى أن "القوة هي فلسطين والجمال هو الشام"، في تشخيص دقيق وحاد للمشهدين الرمزيين اللذين تمثلهما المنطقتان في الوعي الثقافي العربي. غير أنها تحذر من الإفراط في التأويل، رغم أنها تقدم عبارة ذات طابع تأويلي بامتياز.

ثالثًا: بناء العمل من خلال الحوار

يتضح من الحوار أن الرواية ليست مبنية على سرد تقليدي، بل على حوار داخلي وتجربة ذهنية عميقة. توظيف نزار ودرويش ليس تجسيدًا ساذجًا، بل بحثًا عن "مفاتيح" – كما تسميها – للوصول إلى القيم الجمالية والأخلاقية التي تتوق إليها.

هي لا "تنتقد" دواوين الشعر، بل تعيد تقييمها انطلاقًا من ذوقها و"إحساسها"، ما يمنح العمل نزعة جمالية شخصية وفردية جدًا، لكنها ليست معزولة عن الشأن العام، بل ترتبط بقضايا كبرى كالوطن، الحب، الخسارة، والوجود.

رابعًا: الدلالات الفلسفية والوجودية

نفي الموت يحمل أبعادًا صوفية وفلسفية. لا تتحدث مطر عن الشعراء كأموات، بل ككائنات حية في ذاكرتها الأدبية والعاطفية، وهذا ما يجعل الرواية تجربة "استحضار" لا سرد.

تعدد الأنا: يظهر أن "الأنا" في الرواية هي شخصية متعددة، مرآوية، تتحدث إلى نفسها عبر شخصيات شعرية، فتنتج وعياً مركبًا يصعب فصله عن السارد.

رفض القواعد: تكرر في أكثر من موضع أن لا "قوانين" للرواية، ما يدل على تمرد إبداعي متعمد، يندرج ضمن تيار ما بعد الحداثة، الذي يحتفي بكسر الأشكال ورفض الانضباط القواعدي.

"أمسية اللازورد" ليست رواية تقليدية، بل هي تجربة وجدانية روحية مبنية على التفاعل العميق مع الشعر والتاريخ والهوية. كم أن الحوار يكشف أن عفاف مطر تمارس كتابة مقاومة: مقاومة للجمود، للموت، للزيف، وللشعر الرديء.

كما أنها تكتب من منطلق وجودي أنثوي، تبحث فيه عن فارس يجمع بين القوة والجمال، بين فلسطين والشام، بين نزار ودرويش، في مشهد تتقاطع فيه الرغبة بالفهم مع الحنين للحقيقة.

يمكن اعتبار هذا الحوار بمثابة "عتبة تفسيرية" لقراءة رواية "أمسية اللازورد". فكرته المحورية أن الأدب، لا سيما في زمن التشظي، هو أحد آخر المعاقل التي يمكن للذات أن تلجأ إليها لتعيد تعريف العالم من حولها. والرواية، بحسب ما يظهر من الحوار، ليست إلا وسيلة لرؤية الذات من خلال الآخر، ورؤية العالم من خلال الحلم.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2017