منطق نقدي تاريخي في كتاب الدكتور خالد زيادة

ضحى عبدالرؤوف المل

" لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب "

يبني الدكتور خالد زيادة أفكاره التحليلية منطلقا من فكرة بحث تاريخي منطقي، متسلسل زمنيا بأسلوب نقدي محسوس يعصف ذهنيا بالقارئ، ليقرأ ويستكشف دهاليز الماضي من خلال إدراك قيمة النتائج مع الدكتور خالد زيادة مقدما بذلك مضمونا تشريحيا إقناعيا له شواهده التأثيرية ذات الحبكة المتأثرة بالعقلانية الاجتماعية لباحث تحدث بإسهاب عن أحداث زمنية مرت بها أوروبا، وتأثر بها بشكل خاص الإسلام، فهل فعلا ما نشهده اليوم يشكل "مخاضا عسيرا لا بد أن يستغرق أعواما بعد عقود من الجمود؟ وهذا ما يجعل القارئ منذ البداية يخوض معه في تفاصيل الماضي محاولا " فهم الحاضر على ضوء الماضي" لأن" استعادة تجارب التاريخ تسهم في فهم الحاضر والتبصر بالمستقبل" وبهذا يكون الدكتور زيادة قد وضع أسس كتابه في تصدير صفحات يتقدم بها لكل قارئ متسائلا منذ البداية: هل سنشهد بفعل التغيرات خطابات أكثر توازنا مع العالم المحيط بنا؟ ليترك القارئ هنا بدون أي علامة تعجب أو استفهام تجعله يبحث عن الجواب الشافي داخل الكتاب، وكأنه ترك للقارئ حرية الدخول إلى كتابة دون أن يفرض آراءه كباحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي.

فصول ثمانية ما بين تصدير وخاتمة يتحدث فيها تاريخيا عن الجوار" لأن التاريخ في التفسير البسيط هو الوقائع التي طواها الزمن" وإذا وسعنا الدائرة في تحليل الكتاب كما فعل الدكتور زيادة حين قال: " وإذا وسعنا الدائرة فسنجد أن أغلب الإنتاج الثقافي العربي هو تعبير عن هذه الإشكالية التي تحكم علاقتنا بأوروبا والغرب" وسنجد نحن القراء نموا تاريخيا تصاعديا يصل إلى الذروة، ومن ثم يتراجع نحو نقطة مجهولة لا يمكن قياسها ما لم تتذوق النخب الثقافية معنى التاريخ ، فالجدلية "عميقة لا تفهم إلا على ضوء إعادة النظر في التاريخ، وهنا لا بد للقارئ أن يتابع الحكاية التاريخية المنسوجة بأسلوب بحثي يتناول فيه الأسباب الأيديولوجية والاجتماعية المؤدية إلى خلق صعوبات تواجهنا في إعادة تنظيم أنفسنا كعرب أولا وكمسلمين ثانيا، فينتقل من الجوار إلى التحديث، وكأنه هنا يحاول تنشيط ذاكرة القارئ باعتبار أن ما سيقرأ ستختزنه الذاكرة وتعصف به الحواس، ليتم تحليله بمنطق نهضوي مكتمل الأركان لأن" النهضة لا تقتصر على الأفكار والتغيرات الأدبية واللغوية، وعادة ما تقاس بإنجازاتها، وكذلك بإخفاقاتها" فهل سننهض من كبوة عربية لنحيا الأمجاد المستقبلية من خلال لغة تاريخ يتجدد بصورة مختلفة وأكثر حداثة وعقلانية؟

أما الأفكار الخمس فقد صنفها وشرحها وفق مستلزمات الإقناع التحليلي، حيث أن كل نهضة هي في آن معا عودة إلى الماضي، وتطلع إلى المستقبل، ولذلك بدأ بالفكرة الأولى من النهضة والإنجازات التي جاءت نتيجة التمدن، إذ قال بعضهم :" كلما اتسع نطاق تمدن الممالك الدنيا خفت الحروب، وقلت العداوة وتلطفت الفتوحات، وندرت التقلبات والتغلبات حتى تقطع بالكلية ، وينمحي الاستعباد والاسترقاق بغير حق، ويزول الفقر والمسكنة." تستحق الأفكار الخمس مع فكرة الدستور التوقف عندها ، فالفكرة الثانية هي التربية والأهم من حيث المعنى الموضوعي الذي يطرحه، ليهذب الطباع، ويشحذ الهمم لخدمة الوطن من خلال الفضائل التي تنتج عن تبديل السلوكيات وتعليم المرأة، ليتجاوب القارئ مع الأفكار التي أطلقها مفكرو النهضة عن الوطن مستشهدا بكلمات للبستاني، والطهطاوي. لنقرأ في الفكرة الرابعة ما نحاول اكتشافه في كتاب الدكتور خالد زيادة وهو" التاريخية وكأن اكتشاف التاريخ حافز إضافي للدعوة إلى النهوض واستعادة عظمة الماضي." فهل سنستطيع استعادة الماضي للوصول إلى الحرية التي تحدث عنها في الفكرة الخامسة؟.

ارتبط تقسيم الكتاب بعناوين الفصول حيث يؤكد في كل فصل على أهمية الثقافة، ودور الأدباء في تشكيل لغوي وأدبي يؤدي إلى انبعاث المفاهيم من خلال " تأثر جيل من أبناء كل ثقافة إنسانية قد تأثر بأوروبا مبديا إعجابه بالتنوير" أو من خلال المرحلة الليبرالية بين الحربين العالميتين قد رفعت دور المثقفين ، ومنحتهم سلطة التأثير على العامة والحكام على السواء، وكانوا صلة الوصل بين مجتمعاتهم والثقافة المعاصرة "رابطا تدهور الأمم بتدهور ثقافاتها حيث" تدهورت الحياة الثقافية، فلم يتبق لنا من تلك المرحلة سوى آثار كتاب الحوليات والتراجم" وذلك في الحقبة العثمانية، وأوجه الشبه بين" الأنظمة الأحادية وحكام المماليك في القرن الثامن عشر، وما تميزت به من تسلط أقلية تستمد قوتها من أدوات القمع وأجهزة الأمن." ففي الفصل السابع وهو بعنوان" الدولة" يطرح فكرة مسيرة التحديث التي تتم بإرادة الحاكم وأجهزة السلطة من خلال" ارتسام بنية الدولة في الإطار العثماني العربي ."

من العبث قراءة الكتاب على مراحل، لأنه متماسك في قراءة التاريخ، وكيفية انتهاء كل حقبة عند ولادة أخرى، لكن الإصلاحية الإسلامية جاءت متأثرة بشخصيات عديدة منها جمال الدين الأفغاني، وهو شخصية مؤثرة يملك نزعة منفتحة على المسلمين والمسيحين والشرقيين والغربيين. مقارنا شخصية الأفغاني بشخصية ابن تيمية من حيث مفارقات التشدد والانفتاح، ومن ثم الانطلاق مع محمد عبده نحو رشيد رضا حيث لعب الإصلاحيون دورا في تأسيس المجامع العلمية اللغوية مع طرح "مواءمة الإسلام مع العصر، وإسباغ العقلانية على التفكير في مسائل الإيمان وقضايا الفقه، والتحرر من القيود والطقوس والخرافات." ومع ذلك لم تصمد الإصلاحية العربية أمام طغيان التيارات الأخرى التي نشأت في كنفها .

وفي هذا الإطار التحليلي للتاريخ تحدث أيضا عن الثورة في فصل اختار له أن يكون بين الإصلاحية الإسلامية، والأيديولوجيا التي قال فيها: " برغم التبدلات التي وقعت في صورة الإنسان العربي ولباسه ولغته وطريقة عيشه، غير أن ردود فعله العاطفية ما زالت تسير في طريق معكوس" فهل سنشهد أيديولوجيات حديثة تجمع بين الوعي والتعقل، والتفكر والابتعاد عن الانفعالات العاطفية التي نشهدها في ثورة عربية، تحتاج لإرساء قواعد التحديث التي تعثرت بها الدولة العثمانية كما جاء في كتاب الدكتور زيادة.

إن الهدف الأساسي الذي سعى لهالدكتور خالد زيادة في كتابه " لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب" هي المسائل المركزية التي يثيرها الوعي العربي والمسلم على حد سواء، إضافة إلى مواكبة تفاصيل العلاقة مع الغرب التي نشأت عبر التاريخ، ويجب تحديثها، ولكن بطريقة معكوسة لنعيد عظمة أمجادنا بعد تفعيل دور الثقافة، والتأهيل السياسي الواضح الرؤى، ولا يتم تكوين ذلك" إلا بنشوء جيل ثقافي يتمتع بالاستقلال في الرأي، قادر على قياس المصالح التي تربطنا بسائر الأمم ، ويعيد النظر بكل الأسس الاقتصادية والتربوية والسياسية التي تحكم حاضرنا "رصد وتحليل ومراحل فصلية مختلفة، تكمن أهميتها في استعراض ما هو مخفي في التاريخ من خلال الأحداث الكبرى التي تطغى على التفاصيل الصغيرة ذات الأهمية الأكبر من مواضيع أخرى يلقي التاريخ عليها الضوء، فقد استطاع الدكتور خالد زيادة تتبع حتى بروز رواد اللغة والأدب والفكر التركي ولا سيما المتأثرين بالأدب والأفكار الأوروبية أمثال منيف باشا محرر جريدة الحوادث...

يفرض الدكتور خالد زيادة على كتابه نوعا من الأدب السياسي ذي المنطق المعرفي المبني على استنتاجات تاريخية ، لتتبلور الاختلافات في المفاهيم السياسية بسلاسة منطقية، تكشف عن عمق التاريخ العربي المؤثر على الثقافة الغربية التي نهضت، وتمكنت من إثبات وجودها بمختلف أشكاله، فالعقل التاريخي في الكتاب ينضج كلما أمعن القارئ بالمحتوى الذي لا يمكن بعد ذلك نسيان أكثر التفاصيل النهضوية التي جاءت، ليقلب الموازين العدائية إلى تناغم فكري وسياسي مبني على تبادل الثقافات، وإظهار التباينات متسائلا: " هل سنشهد بفعل التغيرات خطابات أكثر توازنا مع العالم المحيط بنا."

Doha El Mol