لوحة جعلتنا نسأل: هل يُكفكف بها "وجيه نحلة" دمعة الفراق بعد رحيلٍ صعقنا؟

تكتوي الألوان وتتوجّع ألمًا عندما تهجرها ريشة فنانٍ ما ودّعته لوحاته، ولن نودّعها حسيًّا، لأن الفؤاد المثقل بالجمال ينبض في لوحاته كمجامر الفراق، الذي يتلوّى على فنانٍ رحل، وهو باقٍ معنا برومانسيّة الحركة اللونيّة، ومنهجها الحياتي الذي افترشه الفنان التشكيلي "وجيه نحلة" ومنحها فضاءات واسعة نحلّق معها.

فتثور الانفعالات ونثور معها حزنًا على فراق ريشة تئنّ من الحنين إلى دفءٍ غادرها، لتداعب اللوحات ذاكرة الفنّ التشكيلي عبر تاريخه الفنّي الطويل، المحفوف برحلة جمالية بدأت ولن تنتهي برحيله عن دنيا تقف فيها لوحاته كأرز لبنان على سفوح الجبال.

وهو يسكنها وجدانيًّا وجماليًّا، بل فكرًا مسكوبًا بالشوق والجمال، واللون المترنّم مع كل لحظة وُلدت فيها لوحة من بين أنامل الفنان "وجيه نحلة"، الذي أنجبته اللوحة وترك بصمة ولادته ونشأته فيها، وحتى نضوجه وإدراكه ووعيه لمعايير الفن وموسوعيّته.

فهل يُغادر الفنان التشكيلي المحمّل بالجمال والسكينة، الرّحم الفنّي الذي عشّش فيه، ليأوي إلى اللحد بقساوة الرحيل وهجران الألوان التي منحها الحياة؟

يتميّز الفنان الراحل الباقي بحسٍّ مرهف، ورقصات ألوانٍ تتّخذ تفاصيلها عدّة عناوين تتفجّر منها طاقات الإبداع، فيفتتن بها من يشاهدها، وهي تخفق بالحب والجمال والرومانسية، وكأنّ اللون امرأة تفرّ منه إلى القماش، لتتشكل تبعًا لأحاسيسه التي تستفيق مع ريشة راقصة بخفّةٍ حركيّة تنبع من الضوء والحسّ التآلفي، المتناغم مع الذات والراضي عن الحياة التشكيلية، التي تبقى كشرفة مفتوحة نحو البصر الباحث عن متعة التشكيل.

والمساحات الواسعة التي أبدع في إيجادها الفنان "وجيه نحلة" كأنّها الطبيعة التي يترنّم بها، ويتغزّل من خلالها بكلّ جمالٍ يلامس ملامحه في الكون البهي، ويمنحها من روحه ما يجعلها تبقى وإن رحل عن هذه الدنيا التي فارق دروبها، وفتح فيها شرفات لوحاته نحو الأمل والحياة، والتطلّع إلى الجمال بنرجسية تتألّق فيها الألوان المتوقدة، التي تنبعث منها المعاني البِكر في كلّ لوحة، جعلتنا نسأل: هل يُكفكف بها "وجيه نحلة" دمعة الفراق بعد رحيلٍ صعقنا، وجعلنا نختزن كلّ كلمة قالها، أو كلّ لونٍ مزجه بأسلوبٍ يبثّ الفرح والحياة؟

فلكلورية الألوان الصاخبة في حياة الفنان "وجيه نحلة"، التي لن نودّعها حسيًّا، هي من تشدّنا بصدق نحو عاطفة اللون الراقص على أمجاد ريشة رسمت كلّ همسة لونية، واستحقّت من الفنان "وجيه نحلة" كامل الاهتمام من حيث قدرته على السيطرة عليها، لتكون عابقة بمشاعره الخالدة بين طيّات لوحاته، التي تشمل بيئته، ووطنه، ومجتمعه، وخاصيّة لحظاته التي انبثقت منها كلّ حركة الألوان التي تضجّ لتشكّل بمضامينها فنًّا خاصًّا له ميزة ثقافة "وجيه نحلة" التشكيلية، التي تلخّص مسيرة حياته، بل وخطّه التشكيلي ومنهجه الذي سار عليه، منتفضًا على أكاديميات الفن التشكيلي، ومتوافقًا معها ضمن خطوطٍ حدّدها بحسٍّ له ظواهره التشكيلية.

ليبني قاعدته اللونية بثقة ومحاكاة تليق بمسرحٍ مفتوح نحو تخيّلات فلكلورية لبنانية يمكن تحديثها لاحقًا، لتكون كائنات على مسارح عديدة، وتتّخذ بصريًّا من الفنّ عدّة قضايا استطاع أن يثيرها الفنان "وجيه نحلة" قبل رحيله المادي عن هذه الفانية، التي ترك لنا فيها من روحه جمالية الألوان المضيئة بوجود الحاضر الغائب، وبالقيم التي تتغذّى منها لوحاته، لتكون منارة لبنان تشكيليًّا، ليستضيء منها كلّ فنانٍ يبدأ مشواره، كما بدأه الفنان "وجيه نحلة" على أرض لوحة تُشبه مدينته التي وُلِد فيها وترعرع بين طبيعتها، وجعلت منه فنانًا تثير أحاسيسه قضايا الجمال بشتّى تنوّعها ووجودها الحسي والانفعالي واللاشعوري.

كلّ لوحة من لوحات الفنان "وجيه نحلة" تمثّل مرحلة من مراحل حياته، أو لحظة من لحظاته الحياتيّة المُترَعة بالخيال، والمُدرِكة لأهميّة الألوان في الحياة، ممّا جعله يُشعل فوانيس الألوان ويسير بها عبر إشراقات الضوء وسطوعه، لتستوي الحركة القويّة على عروش لوحاته بثقة، لم تتعثّر بها الريشة، بل شدّ وثاقها ورحل معها نحو الخيال، ليكشف عدّة جوانب فطريّة تتنازع النفس التي تبحث عن الجمال بين الفراغات ضمن البعد الواحد، الذي جعل منه حقيقةً لها يقينها المولود في أسلوبه المتطلّع نحو شاعريّة الفن التشكيلي، وقوّة محاكاته للوجود عبر الحركة الممزوجة بألوانٍ لها تدرّجاتها، التي ظلّت غامضة نوعًا ما، لأنّها تُشكّل المرأة في حياة "وجيه نحلة"، والبيئة، والطبيعة، السكن اللوني الذي يترنّم فيه بجمالية الحياة التي ترك لنا فيها إرثه الفني، ليصدح مع هضابٍ ملوّنة بأريج البقاء والخلود.

اللون هو المعنى الإبداعي الحقيقي الذي تميّز به الفنان "وجيه نحلة"، وذاك باحتكاكٍ بهيج مع التفاصيل التي تُدهش الحسّ، وتمنحه نوعًا من العصف الذهني المثير للوجدان والبصر، في تكوينٍ لأشكالٍ تتّخذ من الفلكلور التشكيلي عدّة أنماط ميّزته بشدّة، لأنّه يمنحها طبيعة من ذاته الصافية، ومن نفسه التي تنسجم مع كونيّة فكره السابح في فضاءات الخيال الحركي، الذي ينشط عبر الألوان وأسلوبها التخيّلي بروحانية يتصاعد أريجها نحو الأعلى، كالمحلّق فوق عروش الخيال المُدهش، التي تنتمي إلى إنسانيّته، وخصائصه التصوفيّة التي تنشد في كلّ لوحة: آه... لبنان.

فهل رحل حقًا الفنان وجيه نحلة، وألوانه تعزف لحن البقاء؟

تم نشره عام 2017 في جريدة اللواء

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com