خصائص فنية مكسوة بالأنماط الضوئية المختلفة
ضحى عبدالرؤوف المل
يُحدِّد الفنان "أسامة البعلبكي" (Oussama Baalbaki) معالم الحضارة التائهة بين العتمة والضوء، في لوحات ذات خصائص فنية مكسوة بالأنماط الضوئية المختلفة، والجماد وسط الظل وبين الضوء، والأبعاد المفعمة بتجاوزات تبرهن على قدراته في خلق تناقضات بين الحياة والجماد، والطبيعة والأشياء من حولنا التي تعيق بهجة البصر في رؤية جماليات نُسبغ عليها ما يجعلها تتشوَّه، أو يتركها في لوحة يستكشف من خلالها الفنان الحس الظاهر في حياة اللوحة التشكيلية التي تستند إلى حضارة اللون، المغلَّف بمزيج من الواقع والخيال، المُلغَّز بالريب ومخاوف الوجود، عبر تفاصيل بسيطة تحتفظ بالخطوط الدقيقة والعريضة، بانسجامٍ تترابط معه خيوط الضوء المتناقضة التي يغزلها انفعالًا، لتكوين النسيج التخيُّلي السوداوي المائل إلى إظهار ما تؤول إليه الحضارات التي تشوّه الطبيعة من حولها، وتترك الإنسان بين التغيّرات كالجماد الذي يحيط به، كالشجرة الوارفة الظلال، والشجرة العارية.
فهل من فرق بين خصائص اللون وخصائص الشكل؟ وما هي أبرز الدلالات في لوحات الفنان "أسامة البعلبكي" والجمود الحركي فيها؟
غموضٌ يتجاوز النمط التشكيلي المعهود في مثل هذه اللوحات، إذ يتركنا "أسامة البعلبكي" بين حالتي العتمة والضوء، أو الظل الذي يشفُّ عن انسحاب الضوء، في حالات تستهدف إظهار النمط الانطباعي، لواقعٍ تتسلل إليه الأبنية المرتفعة وتترك الإنسان في بحثٍ مستمر عن أماكن ملوّنة، تجعله يشعر بوجودٍ تحتلّه الأبنية السكنية، ويفتقد إلى معايير البقاء المتحرر من سطوة الحياة التي يعيشها الإنسان، وتشكّل حضارةً هي مغالطة للواقع الحقيقي، المُنشقّ عن لوحات الفنان "أسامة البعلبكي" وفلسفتها العميقة، وفق مناخات تتأرجح بين عدة رؤى تمثل الوعي في الطبيعة، والعلاقة بينها وبين الإنسان، وحساسيته التأملية للأشياء التي تبث الإيحاءات وفق أيديولوجيات متغيّرة، وبتأرجحٍ بين الموضوعية والذاتية، والمحاكاة للضوء الذي يبرز ويختفي وفق نسب معيّنة تستفز حواس المتلقي، وتجعله في حيرة بين اكتشاف الخطأ والصواب، أو الواقع الجمالي للطبيعة، ومغالطات الريشة في تغطية الخيال وإبراز الواقع من الجانب الآخر للوعي التشكيلي، الهادف إلى معالجة أخطاء الإنسان في الحياة وسطوته عليها.
محاكاةٌ للواقع يدمجها البعلبكي بصبغة الفروقات بين الطبيعة الداخلية للرؤية الحقيقية، والمتخيَّل من تأثيرات الواقع، عبر تحليل لوني يستدرج إليه المعنى بدفء الكثافة في التفاصيل التي يمزج بينها بمستويات فنية تتماوج معها الرمزيّات الحسيّة بين الواقع السلبي، والواقع الإيجابي، دون تصحيحٍ تخيُّلي لريشة يغلب عليها الحزن ومعاكسات الضوء. إذ يتجه من الواقع إلى الواقع من خلال لعبة الضوء مع الضوء، وانعكاسات الظل السوداوي وفق إسقاطات للأضداد دون تكلّف، لاستخراج الأشكال المعقّدة المنتقاة حسّيًا من واقع حزين، تشكّل دون فواصل، مع فراغات تتموّج من خلالها خطوط الضوء والمؤثرات المجازية التي يستخدمها كميزة توفر فروقات بين واقعين: مرئيّ وغير مرئي، لتكوين مرحلة بصرية تتكوّن ذهنيًا في مخيلة المتلقي.
تم نشره في جريدة اللواء آب 2017.
ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.com