لغة مائية في رسم وجوه طافحة بمختلف الإيقاعات اللونية

ضحى عبدالرؤوف المل

تترك الفنانة خولة الطفيلي (Khaoula Tfaily) في لوحاتها مساحات هادئة للتخيّل الذاتي، أو بالأحرى للتفسير الشخصي للّوحة المائية، التي تضع لمساتها الفنية عليها من خلال رؤية التدرّجات في الألوان المائية وشفافيتها، المزدوجة ما بين رطب وجاف، حيث تتلاشى التقنية التصويرية بين التعبير الداخلي والخارجي عن الأحاسيس الخاصة، التي تنطلق من الحس الفني وجمالية الريشة التي تدرك القيمة الخاصة لجوانب الألوان المائية المختلفة، ولزوايا الضوء وإسقاطاته جزئياً على الجبين أو الأنف أو الرأس بشكل عام.

إذ تقدم الفنانة خولة الطفيلي في هذا المعرض نوعاً من التحدّي الخاص من حيث المحاكاة لمساحات فراغية وفق تصورات المعاني التي تتركها للتأويلات، وبدلالات التعبير عن المواقف من خلال حركات العيون والفم والخطوط في الوجه، ومن ثم إظهار التناسب ضمن قدرات الشكل، وما يتناغم معه من ألوان، وكأنها تقدّم لكل شخصية ترسمها لوناً مائياً خاصاً.

لغة مائية في رسم وجوه طافحة بمختلف الإيقاعات اللونية، باردة أو حارّة، أو جافة أو رطبة، أي مبلّلة بالماء بنسبة عالية أو منخفضة جداً، أو حتى صامتة تدغدغ الفراغات التي تمنح اللون قوّة بصرية، لأنها لم تخرج من معالم الشخصية المرسومة، إلا للتعبير عن لهجة اللون بين الظلال المرنة التي تؤدّي دورها في خلق تفسيرات وإيحاءات عديدة، بين تظليل داكن وبين تعتيم بشفافية الفواتح، بين الضوء الساقط واللون المتأرجح، أو بين كثافة اللون أو تلاشيه، وبتأرجح جزئي ذي تقنية زادت من حدّة جمالية اللوحة المرسومة، تبعاً لانطباعاتها الحسّية عن الشخصية نفسها، مثل لوحة الفنان الراحل ملحم بركات أو لوحة السيدة فيروز.

فهل للألوان المائية قدرة على خلق الحسّ الجمالي الخاص في البورتريه؟

لم ترسم الفنانة خولة الطفيلي لوحاتها البورتريه لإظهار المفاتن، بل! لمنح ريشتها ميزة إظهار الجوانب الجافة والرطبة في الألوان المائية، والقدرة على إسقاطات الضوء المتناسبة مع مقاييس الوجه في الصورة الفنية، كمصطلح تشكيلي يأخذ الخط فيه عدّة اتجاهات حسّية، لتعكس التأمّلات الملموسة على زمن ذي أطر بنكهة خاصة توحي بالماضي المصحوب بلحظة ما عاشتها الشخصية، مع الحفاظ على خصائص الشكل الظاهر بتوثيق يدمج بين الصفة الخارجية وعلاقة الريشة وجدانياً معه، تاركة للريشة محاورة الشخصية تبعاً لميولها اللونية والتهيّؤ لخلق خيالات استُكمِلَت بها التجربة التشكيلية في رسم البورتريه لشخصياتها المئة المتنوعة في مضمونها الاجتماعي أو الفني وما إلى ذلك.

يتميّز معرض الفنانة خولة الطفيلي بتماثل بين الشخصيات التي تهدف من خلالها إلى خلق محاكاة ذات سِمة تشكيلية تتخذ مؤثّراتها اللونية تعبيرات تستحضر بها المعنى الخارجي لشخصيات تمثّل حضارة تحرّك بجمالياتها الكائن الإنساني كفنان أو سياسي أو إنسان عادي، مبتسم أو حزين، متأمّل أو ضاحك، دون تمجيد أو تفخيم أو مبالغة، أو ضم الواقع للمتخيّل، تاركة للألوان المائية حريّتها في إظهار فنّ الصورة الأكثر تعبيراً باللون المائي الرطب والجاف، بمقاربات تستمد من جمال الضوء ما يمنحها زمنية معيّنة تمثل نوعاً من الحضور الفعلي في وجدان خولة الطفيلي، بخطوط رئيسية تخيلية تمت معالجتها تشكيلياً، ليَسْطُر اللون على التعبيرات والسمات الفيزيائية دون اللجوء إلى المخيلة، بل! إلى اللحظة النفسية التي اتخذت منحى زمنيّاً ما، وكأنها جمعت شخصياتها في زمن ما لبناء حضارة من لوحات مائية خاصة بها.

تبرز العلاقة بين اللون والضوء والزمن في لوحات الفنانة خولة الطفيلي لتتّضح المعالم الفيزيائية في الوجوه برومانسية وعفوية، وبشكل فني واسع متعدّد الجوانب، كأنها خرجت من حلم هادئ رومانسي مكلّل، دون اختراع لقسمات تتناقض مع الحجم أو مع اللون وأبعاده، دون الالتزام بشبه الصورة الأساسية للشخصية، لتأخذنا إلى مسألة جمالية يلعب فيها اللون دوراً تعبيرياً خاصاً يؤدّي إلى تمييز الشخصية، ومنحها لوناً إنسانياً مختلفاً عن الآخرين بفعل الأحاسيس الفنية التي تفيض من ريشتها المغموسة بالماء، المنساب بين تفاصيل الوجوه والعالم الخاص بالبورتريه.

تم نشره في جريدة اللواء حزيران 2017.

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com