الفنان التشكيلي محمد عزيزة لـ"اللواء":
"العمل الفني لوحده كفيل بأن يتكلم مع المشاهد، وهو كالموسيقى"
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
تشكل لوحات الفنان "محمد عزيزة" حركة تشكيلية تتبوأ في خاصيتها الفنية موقعًا مميزًا، لأنها رومانسية تحاول المزج بين التجريد والتعبير الموسيقي، والحس الرومانسي الطاغي على خطوط الألوان المتناغمة مع بعضها، لتطرح إشكالية في العلاقة بين الأساليب التشكيلية ورؤية الفنان الداخلية وأبعادها، وبمفارقات بين المادة اللونية والدلالة التشكيلية، والمواضيع الحسية أو الوجدانية التي يحاكي بها المتلقي، فتتلخص مقارباته بتوظيف فني يهدف إلى خلق تناقضات تعكس ثراء مفاهيمه الفنية القادرة على الانصهار مع الألوان والحركة الضوئية، والضبط الإيقاعي ضمن مستويات أفرزت عدة رؤى في اللوحة الواحدة التي تنبض بأشكال روحانية تخيلية تنبض بالحياة والجمال.
مع الفنان التشكيلي "محمد عزيزة" أجرينا هذا الحوار:
- ريشة تنصهر معها الألوان فتبدو للبصر متناغمة وتثير الدهشة، كيف تولد لوحة الفنان محمد عزيزة؟
سُئل الفنان الفرنسي رودان: ما هو سر عملك الفني؟ فأجاب ببساطة: أرى قطعة من الصخر، أتأملها، وأُزيل عنها الزوائد لتصبح على ما هي عليه.
وهنا أريد القول إنني أمتلك الموهبة، وهي ليست كافية، لذلك تعمّقت في الدراسات الكلاسيكية، وهي الأساس، وتأثرت بأساتذتي ودرست أعمالهم جيدًا، وهي عديدة ومختلفة، أعجبتني أم لا، فقد أصبح عندي الشوق لمعرفة كافة الحركات الفنية، وقمت مطولًا بدراستها ونقلها حرفيًا لأتعلّم أسرارها. عندئذٍ، قمت بدراسة لوحة خاصة بي، ولا أُبالغ بالقول بأنني، ومنذ البداية إلى الآن، أرسم يوميًا على الأقل سبع ساعات، وعندي إحساس بأنني لا زلت في بداية الطريق.
- حركة رومانسية ذات نغمات متعددة وتدرجات مدروسة جدًا، هل تنتظر اللحظة، وإن تأخرت، لترسم؟
لدي إحساس بالفشل، رغم أنني أمتلك، ولا أُبالغ، أكثر من أربعة آلاف عمل فني، ومن هنا إعجاب طلابي في المعهد بأنني مميز، لأنني أعرف الأساليب الفنية، وليس بالتنظير، لأن الأستاذ شيء، والفنان شيء آخر. الفنان يرسم بأسلوبه الخاص ولا يرى غيره، أما الأستاذ فإنه يعرف كافة نغمات الفن. أما أنا، فعندما أرسم، فإنني أرتجل في العمل الفني، ومثلما يخطر على بالي أُنفّذه بعفوية صادقة، غير مبالٍ بأنني سوف أَعرض في "غاليري" أو أي شيء آخر. هذا أنا، وهذا ما أحاول قوله.
- مقاييس اكتملت النِّسب فيها تقريبًا، وإن بدت كتجريد عبثي، إلا أنها إيحائية بدرجة كبيرة، ما الذي تريده من الريشة ولم يتحقق؟
إن اللوحة يجب أن تتكلم مع المشاهد، وليس على الفنان أن يُترجم عمله، وهنا، برأيي، إن الفنان عندما يقف ويشرح عمله الفني، فإن العمل الفني ساقط.
العمل الفني لوحده كفيل بأن يتكلم مع المشاهد، وهو كالموسيقى: عندما نسمعها تُحرّك الأحاسيس فينا، ولا يهمني أن يشرح الفنان النوتة.
- من هو الفنان محمد عزيزة؟ وما رأيك بالفن التشكيلي وحركته في طرابلس؟
أما الحركة الفنية في الشمال، فهي ركيكة جدًا، ليس هنالك إشراف من قبل الفنانين على ما يدور في أروقة الفن، وليس هنالك جمهور مثقف فنيًا، وكذلك ليس هنالك نقد فني، ليس في الشمال فحسب، إنما في العاصمة أيضًا. وهنالك عبثية في الفن وسهولة مفرطة في إنتاج العمل الفني.
- قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو أي عمل فني يدفعك للرسم، ما هو؟
ليس هنالك مقطوعة موسيقية بحاجة إليها عندما أرسم، اللحن يُعزف من داخل الفنان ليُترجم إلى عمل فني. ولكنني ما زلت طالبًا في الفن، وأرجو أن أكون قد وضعتك في عالمي الصغير. ولكم كل شكر، والسلام.
الحوار مع الفنان محمد عزيزة يكشف عن عمق رؤيته الفنية وصراحته الوجودية، ويضيء على علاقة الفنان بذاته، وبالفن، وبالبيئة الثقافية التي يتحرك فيها. يُقدم الفنان نفسه دون أقنعة تنظيرية، معتمدًا على التجربة الشخصية والانخراط الكلّي في العملية الإبداعية.
في أكثر من موضع، يرفض عزيزة فكرة الفن باعتباره ممارسة شكلية أو تقنية تُكتسب بالتلقين أو الدراسة وحدها. هو يرى أن الفن ينبع من الداخل، من الشغف، ومن الإحساس اليومي بالاحتياج للتعبير. عبارته:
"اللحن يُعزف من داخل الفنان ليُترجم إلى عمل فني"
تختصر فلسفته في أن الإبداع الفني حالة شعورية وليست استجابة لعنصر خارجي.هذا الموقف يقارب الرومانسية الفنية التي تعلي من شأن الذات، وتُحيل العملية الفنية إلى وحي داخلي يتجاوز القواعد. لكنه في الوقت نفسه لا ينكر أهمية الدراسة والتقليد، إذ يقول:
"قمت مطولًا بدراستها ونقلها حرفيًا لأتعلّم أسرارها".
هنا نراه يدمج بين المران الأكاديمي والإبداع العفوي، وهو موقف ناضج يوازن بين التأصيل والابتكار.
الحوار يُظهر أن لوحات عزيزة ليست سردية أو توثيقية بل تجريدية، تعبيرية، تميل إلى الرومانسية البصرية. التركيز على التناغم اللوني، الإيقاع، والانصهار بين الأشكال، يجعل من العمل الفني أقرب إلى مقطوعة موسيقية مرئية. ويؤكد عزيزة أن اللوحة الناجحة:
"كفيلة بأن تتكلم مع المشاهد وهي كالموسيقى".
هذا التشبيه بالموسيقى يضع أعماله في سياق الفن التعبيري أو الروحاني، ويقرّبها من تجارب كبرى في الفن التجريدي مثل كاندينسكي الذي رأى اللون كصوت، والخط كإيقاع.الناقد هنا يمكنه أن يرى محاولة واعية لدى الفنان لإلغاء "الحواجز اللغوية" مع المتلقي، وجعل المعنى نابضًا بالإحساس لا بالتفسير.
يرفض عزيزة أن يشرح عمله الفني، ويرى أن العمل "يسقط" إذا احتاج إلى شرح. هذه وجهة نظر جذرية في الفن، تحمّل اللوحة مسؤولية تواصلها الذاتي، وتُقصي "الناقد أو الوسيط" من معادلة التلقي.
يمكن اعتبار هذه الرؤية حادة وربما مثالية، فالفن لا يعيش في فراغ، والنقد وسيلة لفهم أعمق للأعمال. لكن رفض الشرح المفرط يُعبّر عن ثقة الفنان بـ"صدق لحظته الإبداعية"، وانحيازه للتجربة الذاتية أكثر من الاستعراض الثقافي.ينتقد عزيزة بجرأة الحالة الفنية في الشمال اللبناني، ويصفها بالركاكة، ويشير إلى غياب النقد الفني والجمهور المثقف.
هذا التشخيص ليس جديدًا، لكنه مهم حين يصدر من فنان من قلب المشهد. فيه صرخة ضمنية بأن الفن بحاجة إلى بيئة حاضنة، ليس من جهة المؤسسات فقط، بل من حيث وجود جمهور واعٍ، ونقاد فنيين، ومساحات عرض حقيقية.ربما أكثر ما يلفت في الحوار هو تصريح الفنان بأنه لا يزال يشعر بأنه في بداية الطريق، رغم إنتاجه أكثر من أربعة آلاف عمل فني.
هذا الإحساس يعكس تواضعًا حقيقيًا، وصدقًا فنيًا. كما يُشير إلى وعي عميق بأن الرحلة الفنية لا تُختزل في عدد اللوحات، بل في عمق التجربة وتطورها المستمر حوار محمد عزيزة ليس مجرد حديث عن الفن، بل هو اعتراف طويل حول شغف، شك، بحث، وتمرد. الفنان لا يُجمّل الواقع، بل يُظهر قلقه من السطحية والعبثية، ويدعو ضمنًا إلى وعي أعمق بالفن كوسيلة للسمو الإنساني، لا كسلعة استعراضية.إنه فنان لا يرسم للعرض، بل يرسم ليحيا. وحين تكون الريشة امتدادًا للروح، كما في حالته، فإن كل عمل فني يصبح لحظة صدق لا تحتاج إلى ترجمة.
تم نشره عام 2017 في جريدة اللواء