صوفية العمق الحركي في الحرف القرآني شكلًا ومضمونًا

ضحى عبدالرؤوف المل

تتحوّل الأحرف المستقيمة والأحرف الدائرية في أعمال الفنان "عرفان أحمد خان" (Irfan Ahmed Khan) إلى حركات فيزيائية تؤدّي إلى التفاعل البصري مع الحرف القرآني المرتبط بإيقاعات اللغة العربية، ومؤثّراتها الفنّية على الحسّ النغمي الشفّاف عبر تناقضات الأحرف وتكرارها، معتمدًا تحرير الدمج بين المستقيم والدائري، بجمالية نكتشف من خلالها نبرات الحرف عبر الرسم والتلاعب المنظَّم بمقاييس الحروف ونقاطها التي تتماسك فيما بينها.

لتشكّل تحوّلات تحتشد فيها الأحرف، وتنفلت الفراغات وفق مقاييس تتناغم مع الكتلة أو الحرف المستقل والأحرف مجتمعة. لنشعر أن الآية أو الكلمة إنما هي الكوكب السابح في فضاء جمالي مهيب تتوازن فيه الوحدات بين الحروف. لتشكّل نوعًا من التشابه المثير عبر عدّة جدليات بين الخطوط المستقيمة والخطوط الدائرية بأنواعها وأحجامها، وقدراتها في خلق حركة فيزيائية تجذب البصر نحو الفراغات، وتؤدّي دورها في تفعيل المعنى عبر الشكل والحجم والمقاييس، وديناميكية تشكيل الآية بحدّ ذاتها عبر عدّة مستويات في اللوحة الواحدة.

يحدّد الفنان "عرفان أحمد خان" النقاط الجمالية التي ينطلق منها، ويقسّمها إلى أمكنة ذات مقاسات مختلفة تتجلّى الأحرف منها، ليكشف عن سلبية وإيجابية الحرف ضمن تواجده مع الحروف الأخرى، حيث تتّضح فكرة الانفصال والاتصال، وصوفية العمق الحركي في الحرف القرآني شكلًا ومضمونًا.

لإظهار قيمة البصر في التحرّر من الضوابط عبر انضباط مقاييس النقاط في كلّ حرف استرخى بدائرتيه أو امتدّ مع الخط المستقيم وميله دون فوضويات مخفيّة. إذ يترك الفنان "عرفان أحمد خان" للحرف مساراته الخاصّة في تشكيل كلّ كلمة، وحيثيّاتها في الاندماج والانفصال وقدرتها على الامتداد لإخراج جمالية الحرف من خلال الضوابط التي يمارسها. ليتحرّر المعنى وتستعيد الكلمة شكلها الحسّي لخلق تجلّيات تمزج بين ما هو حسّي وما هو مادّي، أو ما هو متحرّك وما هو جامد مستقرّ في اللوحة.

يستطيع المتلقّي أن يتأمّل الأبعاد الإيمانيّة للحروف في لوحات الفنان "عرفان أحمد خان" التي ترتبط بالمعنى ارتباطًا جماليًّا تؤدّي الحركة ترجمته، مشحوذة بقيمة الفراغات المدروسة التي تؤدّي إلى تعدّدية في المقاييس بين الحروف، وطبيعتها وتواجدها في الآية، وما تشكّله من ميتافيزيقية نرى من خلالها هندسية الشكل المتجلّي في كلّ شيء حولنا. ليمحو الفجوة بين الدائري والمستقيم، ويجمع بين الأحرف الطولية أو ذات الامتداد، والأحرف الدائرية اللينة بفيزيولوجية يتحكّم بها ويُسيطر عليها.

لنشعر بقريحته التشكيلية وتعلّقه بالحرف القرآني الذي يستخرجه بانضباط، ويتركه ليتفاعل مع الكلمة بشكلٍ تتّسق معه الصورة التخيلية أو الصورة الحسية المتخيَّلة، والمولودة من لُبّ الشكل المؤدّي إلى خلق صورة هندسية ما ورائية، لما يمكن أن يكتشفه الإنسان في كلّ آية تتّخذ صفة جمالية حسية ومعنوية ومادية... إلخ.

حركة حروفية ذات تجليات رياضية وفيزيائية لينة وجامدة، ومتناقضة ومتناغمة ترتبط بتحوّلات الأحرف كالميم والباء. ليخلق الفنان "عرفان أحمد خان" من الأحرف عوالم الكلمة، وبتطويع لريشة تتصالح مع الأضداد، وتتوحد مع الحسّ لتدلّ على الحركة الذاتية والموضوعية في كلّ حرف تتشكّل من خلاله قيمة الوجود، حيث تتأصّل الفراغات في لوحاته ضمن تشكيلات لا تقلّ أهمية عن الحرف ومكان تواجده، ضمن نقطة محددة في اللوحة وبنغمة ذات مواصفات حسّية تمنح الرؤية عمق المعنى وتؤكّد على جمالية الحرف العربي في المفردة القرآنية.

أعمال الفنان "Irfan Ahmed Khan" في «مركز الصفدي الثقافي» خلال معرض «الخطّ العربي في باكستان»، وقد عُرضت خلاله أعمال لأكثر من 18 خطّاطًا من أبرز الفنانين في الخط العربي في باكستان، شارك خمسة منهم في حفل الافتتاح، ونفّذوا مخطوطات فورية أمام الحاضرين.

تم نشره عام 2017 في جريدة اللواء لبنان

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com