الرؤية الحقيقية للإنسان في لوحات الأديب والرسّام "جبران خليل جبران"

ضحى عبدالرؤوف المل

يرتقي الأديب والرسّام "جبران خليل جبران" بالبصيرة الإنسانية نحو كونية الخلق وعظمة الإنسان في التجلي والصفاء، واكتشاف الحركة من حوله من خلال التوغّل في الرؤية المحورية العميقة للإنسان ومكوّنات النفس، وطبيعتها المتجلّية في الخلق والتكوين، وأسرار الكون، تاركًا للريشة التعبير عن الأفكار التي تهاجم الإنسان في لحظات التأمل، والتفكّر الزاخر بالتخيّلات التي تتصارع من أجل إيضاح الرؤية الفكرية التي تنتابه أثناء الرسم.

فالقوى الغيبية أو الماورائية تتمثّل بالخطوط الصغيرة، كالشعيرات الدقيقة التي تلتف أو تحيط بالإنسان، ومنها المخاوف، والكوابيس، والهموم، والأوجاع النفسية التي تنتابه. لتتكوّن اللوحة من النص البصري المفتوح على عدّة تأويلات تهتم بالإنسان الموجوع أولًا، لتنتقل مع الضوء الذي ينثره لبثّ المزيد من الأحاسيس برسومات تأخذنا إلى مجد الخليقة والعناصر الحيّة الماورائية، لتتفاعل المعاني مع الضوء والظل، والتناسب المُغمّس بضبابية رمزية تؤدّي إلى إثارة الذهن، لخلق التساؤلات التي تؤدّي إلى التفكّر بماهية البشرية، وما المغزى الكونيّ الماورائي المحسوس وغير الملموس المحيط بالنفس والأفكار بمختلف تنوّعها، كالخير والشر، والأحاسيس الروحية التي ترتقي بالإنسان فوق كل الموجودات في الكون، ليرفعه إلى مرتبة عالية جدًا، تتركه بمنأى عن الصراعات الطبيعية التي تجعل الإنسان في متاهة الخطوط القدرية المجهولة، والمخيفة في تكوينها الملتفّ حول الإنسان.

فهل يمكن قراءة لوحة واحدة للفنان والأديب "جبران خليل جبران" دون أن نضع الفلسفة الجبرانية في زاوية بعيدة عن الرسومات بمجملها أو كتاباته التي أدرك أن اختصارات الفكرة في لوحة هي كالنص الفلسفي أو الأدبي أو القصيدة، عندما تهاجم الخطوط الريشة القادرة على الرسم بفكر يتساءل عن ماهية الخلق؟ فكيف لا تتفاعل البصيرة مع رسومات هي لفيلسوف الأدب والحياة جبران خليل جبران؟

تنعكس رؤية اللوحة على حقيقة الأبعاد الإنسانية وتفاعلاتها في فكر "جبران خليل جبران"، المرتبط بالذات والكون، والتوق إلى الارتقاء بالحس نحو جماليات الخطوط التي توازي الزمن، وإيقاعاته المبهمة التي تنطق بها اللوحة المعزّزة بهيمنة تعبيرية تُؤطّر دائرية الطواف التي تعتمدها ريشته، لتكوين البؤرة الحقيقية التي تستقطب البصر، وتجذبه نحو المفردة التشكيلية التي يخفيها بتلغيز فني يتشابه مع كتاباته الفلسفية، متأثرًا بالكثير من الفلاسفة، لبثّ التشويق النفسي، ولذّة اكتشاف المعنى من خلال لوحة مرسومة بصفاء ذهني، وعبر الضوء المسلّط أو بالأحرى المتناثر بين مسارات جزئية جمعها بتناقضات غرائبية تتقلّب بين رمزية وتعبيرية وتجريد، يخوض مع الأبعاد ازدواجيات من الصعب فكّ ألغازها، لأنها تميل إلى الأنا والآخر في متاهة الحياة، ودلالات الخطوط الموحية بمسيرة الإنسان في دروبها المتشابكة، كأنه بانتظار أن يصحو من حلمه الفاني، ويشهد الحقيقة التي كان ينتظرها بعد خروجه من الحياة.

فهل تجهر لوحة الفنان "جبران خليل جبران" بحقيقة الحياة بعد الموت، وبعد الكثير من الألم والمعاناة والأوجاع التي يتعرّض لها الإنسان في حياته؟

لوحة فلسفية في رؤيتها، مرسومة بتكثيف الحركة، وبالتنقّلات بين الضوء والظل، والفواتح والغوامق، ومسح الزوائد، لتتجهم الخطوط وتنفرج، كحديث النفس الداخلي الذي يُظلّله بالفراغات، والقيمة التي يمنحها للإنسان بصورته.

فالمحاكاة الإنسانية في اللوحة تُظهر التناقضات والاختلافات بين روحية الإنسان وطبيعة الأشياء من حوله، محوّلًا المادة التشكيلية إلى عاطفة وجدانية يُخاطب بها الرائي والذات، كالتوقّف في عين الزمن لمجابهة القوى التي تحاربه أو تحدّد مساراته، مشدّدًا على المعاني الإنسانية من خلال الخطوط الدقيقة، لتوفير جمالية تفكّ الغموض التكويني في لوحة تجمع الجمال والفلسفة بين خطوطها ودلالاتها الفنية.

لوحة الأديب والرسّام "جبران خليل جبران" من مجموعة متحف فرحات

تم نشره عام 2017 في جريدة اللواء