الروائي فؤاد كفروني لـ"اللواء": "أعتقد أن المرأة العكارية تحقق تقدمًا في كثير من مجالات الحياة"
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
لم يُفلت الكاتب فؤاد كفروني قبضته عن الخيوط الروائية في قصته الاجتماعية "سمفونية ألوان" ليحولها إلى قصة اجتماعية هادفة، ملونة بألوان الإنسان القابع في مكان يتآخى فيه مع الجميع، وبصيغة حكائية تميل إلى التراث وخلق انطباعات زمنية ما زالت عكار تحنّ إليها وتُظهرها، كما أظهرها الكاتب فؤاد كفروني في حكايته الاجتماعية التي أظهر فيها الكثير من العادات والتقاليد العكارية خاصة. حيث برزت المرأة بجمالية قرويتها وأمومتها ولونها الخاص، القادر على خلق صورة مصغّرة عن المرأة اللبنانية العكارية عبر الزمن.
وهو من مواليد تل عباس الغربي في عكار، وتلقى تعليمه في تكميلية حلبا وثانويتها الرسميتين. ومعه أجرينا هذا الحوار...
- فؤاد عبد الله كفروني، أين روائي عكار؟ ولمن تقرأ؟
في المدة الأخيرة قرأت كتبًا عديدة ومتنوعة لعدد من الكتّاب اللبنانيين والعرب، بما فيها بعض مؤلفات محمد حسنين هيكل، وللدكتور نزيه كبارة (الأدب القصصي في لبنان الشمالي)، واطلالات على الأدب المعاصر في لبنان للكاتب جان توما، وكتاب توت عليق لتوفيق يوسف، ورواية مولانا لإبراهيم عيسى، وعدد آخر من الكتب المتنوعة... أعتقد أنه يوجد في عكار كُتّاب قصة وكُتّاب رواية، لكن حتى الآن لم نقرأ نقدًا أدبيًا يسلط الضوء على هذه الكتابات لتبيان مدى انطباقها على مقومات الرواية أو القصة. أعتقد أن الكاتب حبيب فارس، ووديع فرج زخو، والمرحوم الدكتور فؤاد سلوم، والكاتب محمود الزعبي، والمرحوم جبران نادر لهم مؤلفات في مجال القصة والرواية... طبعًا هناك غيرهم أيضًا.
- لمَ لم تصف قصتك الاجتماعية بالرواية؟
مرغريت أو سمفونية الألوان هي قصة اجتماعية هادفة تعالج قضايا محلية ووطنية وعاطفية وعائلية، تظهر من خلالها عادات وأنماط الحياة في البيئة القروية، مركزة على الوعي لدى الشباب والصبايا، وعلى ضرورة الوفاء والإخلاص، والتمسك بالقيم الجميلة، والتسامح بين أفراد المجتمع. كما أنها تسلط الضوء على رُقي المؤسسة العسكرية من خلال الجندي المأذون أحمد، الذي ضحى بحياته في يوم عطلته من أجل إنقاذ مواطن لا يعرفه. وفيها إشارة جلية إلى الرحمة الموجودة حتى في قلوب المسلحين، رغم فظاعة المأساة. وفيها دعوة إلى عدم التفريط بالوطن، من خلال الحديث عن الفوضى والحواجز وانقسام المجتمع في حقبة الحرب المسماة "أهلية"، علمًا أنها ليست كذلك، فبرأيي كانت حربًا بين عصابات لا علاقة لجل المواطنين بها، وهذه العصابات كانت مرتبطة من خلال بعض النافذين بجهات غريبة لها غاياتها وأهدافها.
- أعطيت المرأة ما أعطيتها في القصة الاجتماعية. هل أنت راضٍ عن المرأة العكارية خاصة؟
أما بالنسبة لدور المرأة، فلقد لعبت في الرواية أو القصة دورها كما يجب، مظهرة عزمًا وإقدامًا وشجاعة ووعيًا عاطفيًا واجتماعيًا... هكذا يجب أن تكون: أن تخرج من التقاليد والعادات العفِنة بدبلوماسية ورقة وصمود، مع محافظتها على احترام الأهل. إن المرأة - برأيي - مقيدة بالنص الديني والوضعي، ويجب أن تحرر نفسها بسلاسة ووعي... لا يجوز أن تبقى مكسورة الجناح. أعتقد أن المرأة العكارية تحقق تقدمًا في كثير من مجالات الحياة، سواء على المستوى الوظيفي أو على مستوى بعض الجمعيات الأهلية... هذا على مستوى النُخب. لكن وضعها العام يغلب عليه القهر في مجتمع لا يزال طابعه ذكوريًا، والذي يُؤسف له أنها تدافع عن وضعها هذا إكرامًا وخوفًا من زوجها أو أخيها أو أبيها... نحن بحاجة إلى قوانين تؤكد المساواة الحقيقية مع النصف الآخر، خاصة وأنها تعمل ضعف عمل الرجل.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2017
في رؤية تحليلية للحوار معه نكتشف
الحوار مبني بأسلوب تقليدي كلاسيكي يتسم بالعفوية والصدق، بعيدًا عن التعقيد اللغوي أو التزويق الصحافي المصطنع. وهذا يعود غالبًا إلى طبيعة المتحدث نفسه، الذي ينتمي إلى بيئة ريفية واضحة التأثير في لغته ومفرداته، ويعبّر عن رؤيته بعبارات مباشرة لا تلتف حول المعاني. ولكن هذا الأسلوب البسيط لا يخلو من عمق فكري واجتماعي، بل يكشف عن شخصية كاتب ينظر إلى الأدب كوسيلة للتعبير عن هوية جماعية وليس مجرد تمرين فني.
الرؤية الأدبية التي يطرحها كفروني في الحوار تركز على الهوية المحلية، وتحديدًا العكارية، كمنطلق للكتابة السردية. حديثه عن "سمفونية ألوان" يكشف عن مشروع روائي يتكئ على الذاكرة الجماعية والتراث الشعبي، مع حرص على تضمين القيم الإنسانية والبعد الوطني في السرد. لكن في المقابل، غابت الإشارة إلى تقنيات الكتابة أو البناء الفني للرواية، مما قد يدل على اهتمام أكبر بالمضمون على حساب الشكل الأدبي، وهو ما قد يكون موضع جدل بين النقاد.
كفروني لا يتعامل مع الرواية كفن تجريبي أو كأداة لاكتشاف اللغة أو كسر البنى التقليدية، بل كمساحة أخلاقية وثقافية لنقل صورة مجتمع، وهذا ما يقرّبه من الرواية الواقعية الاجتماعية.
ربما يكون الجانب الأكثر تميزًا في الحوار هو موقف كفروني من المرأة، وخصوصًا المرأة العكارية. يظهر موقفًا متقدمًا نسبيًا، إذ يدعو إلى تحرير المرأة "بسلاسة ووعي" مع الحفاظ على احترام التقاليد. هذه الرؤية تكشف عن وعي مزدوج: من جهة، وعي بأهمية تحرر المرأة ومساواتها، ومن جهة أخرى، وعي بقيود البنية الثقافية والاجتماعية التي تمنع هذا التغيير.
لكن اللافت أن الكاتب، رغم تقدمه في الطرح، ما زال أسيرًا في بعض جوانبه لمقولات نمطية (كالحديث عن المرأة التي "تعمل ضعف الرجل" كمبرر للمساواة بدل تأصيلها كحق إنساني مستقل). وهذه ازدواجية شائعة عند كثير من الكتّاب الريفيين الذين يعيشون التحول الاجتماعي، لكن لم يتحرروا تمامًا من التقليد الأبوي.
يطرح كفروني قلقًا واضحًا من غياب النقد الأدبي الجاد في عكار، مشيرًا إلى وجود كتّاب قصة ورواية بلا متابعة أو تقويم. هذه النقطة في غاية الأهمية، إذ تعكس عزلة المثقف المحلي في الهوامش الجغرافية عن المشهد الثقافي المركزي في لبنان. نقده موجه ضمنًا إلى المؤسسات الثقافية التي لم تفسح المجال لتظهير الأدب العكاري أو تحفيز إنتاجه نقديًا.
لكن المفارقة أن كفروني نفسه لا يقدّم في الحوار قراءة تحليلية لماهية الرواية الحديثة أو التحديات الفنية فيها، بل يحصر النقاش في إطار القيمة الموضوعية والاجتماعية، وهذا ما يجعل صوته صوتًا ملتزمًا لكنه غير إشكالي من حيث البنية الفنية.
نقاط القوة:
وضوح الرسالة الاجتماعية للرواية.
خطاب عقلاني وإنساني تجاه قضايا المرأة والمجتمع.
حضور عكاري صادق وهوية محلية غنية.
نقاط الضعف:
غياب النظرة الفنية للرواية كفن سردي.
لغة الحوار تحتاج إلى تنظيم وتكثيف.
طرح قضايا نقدية دون أدوات تحليلية واضحة.
فؤاد كفروني يمثل نموذجًا من الكتاب الملتصقين بأرضهم وهموم مجتمعهم، يتحدث بلسان القرية ويكتب بروح الجماعة. لكن ليكمل مشروعه، يحتاج إلى التفاعل مع الأسئلة الفنية للنص الأدبي، وإلى كسر الحاجز بين الأدب كرسالة والأدب كفن.