القيمة الفنية التي تتسم بالكفاءة الاحتوائية لموضوعات التشكيل وجماليته

ضحى عبدالرؤوف المل

يستخلص الفنان "جميل ملاعب" (Jamil Molaeb) في معرضه الذي يُقام في غاليري "جانين ربيز" الرؤى اليومية للحياة ذات الخصوصية التي تنطبع في مخيلته، ويضعها كنسق تشكيلي يُسبغه بالألوان، مما يجعل الخطوط قادرة على ترجمة المعنى. فيتعامل مع الريشة كالكاتب القصصي الذي يخوض في تصوير الحياة اليومية وتناقضاتها عبر المخيلة، ويمنحها القيمة الفنية التي تتسم بالكفاءة الاحتوائية لموضوعات التشكيل وجماليته، بل وملحوظاته الحسية القادرة على إحياء الشكل ومنحه روحية الواقع، بأجواء تميل إلى حفظ التراث والمزج بين الوصف والخصوصيات التشكيلية التي يحتفظ بها "جميل ملاعب"، ويسمو مع النص البصري الذي يقدمه للمتلقي من خلال الاحتفاظ بقيمة المقاييس الفنية داخل لوحاته، والالتزام بالنسب الذهبية، لتتضافر العناصر كلها مع المقاييس، وتصبح اللوحة قطعة جمالية قوية التأثير، قادرة على إحياء التراث بوضوح جمالي يُضاعف من قيمة القصة - اللوحة، والمخيلة التي تتحدى الواقع وتحتفظ بروحانية الحياة من خلال الإنسان، وتستخرج منه نغمات الألوان دون أن تتلاشى العاطفة الإنسانية في مبالغات الخطوط العمودية أو الأفقية أو حتى المنحنية والمتكررة، وفق تضاد حيوي هو أساس الرؤى التي يشحنها بانعكاسات ما يستحسنه من المحيط حوله.فهل يتخذ "جميل ملاعب" من اللوحة مساحة يتغنى بها لتكون قصة أو أغنية أو حكاية تراثية أو ما إلى ذلك؟

تتضح معاني الإنسان والطبيعة بقوة، يتعمد من خلالها الفنان "جميل ملاعب" التلاعب بالحركة وبالمفاهيم الرياضية: طويل - قصير، ضخم - نحيل، كبير - صغير، وما إلى ذلك، ومنح اللحظة الموشاة الاستمرارية التي نفقدها مع الزمن، ليسترسل مع الخطوط والألوان بتفاعل القديم والجديد، وبتحديث الرؤى، فيأخذ بالتأثيرات القوية التي تنتج عن فروقات مقاييس الخطوط بمفهوم رياضي يُطمسه بالأشكال والأحجام، لتتكون النغمات البصرية وفق نظرته الحياتية التي تحتفظ بقيمة المظاهر الإنسانية والحياتية التي تختفي مع الزمن، ويحتفظ بها "جميل ملاعب" في لوحة تروي الوقائع بفن تشكيلي يتخذ من الأنماط الجمالية ما يجعلنا نتناغم مع الواقع وتخيلاته، التي يخلع عليها من الحس اللوني ما يُبهج النفس، وبتناغم جمالي بين الواقع والمتخيل.

لهذا، ربما يختلف الواقع الجديد عن الواقع القديم، ونشعر معه أن الإنسان ابن البيئة من حوله، وأن اللوحة ابنة الحس الوجداني المرتبط بحواس الرسام أو بباطن مشاعره وذكرياته ومحيطه، وصولًا إلى مسيرته الحياتية.

فهل يُؤرشف الفنان "جميل ملاعب" لسيرة حياته، إن كان في الريف أو المدينة أو حتى عبر محيطه الداخلي، لنتبادل معه هذه المسافة البصرية التي يسترسل في منحها العواطف اللونية القوية والجياشة؟

تشابه وتناسب وتعقيد سلس، يُبطّنه ببساطة الشكل الذي ينتهجه "جميل ملاعب" بحنكة تشكيلية لها أصولها وقواعدها ونسبها، ليتوصل المتلقي إلى تأمل المعاني والتغلغل في الحس البصري، وقصصية يضعنا من خلالها وجهًا لوجه أمام التشابه وانسياب الضوء، والتكرار النغمي المؤصّل لاحتياجات الخط للون، وعبر خلفيات يُجرّدها ليرصد من خلالها التنافر البصري، لتمكين الشكل من إبراز نفسه. فيلخّص مسيرة المرأة أو الطفل أو الرجل أو الطبيعة المحيطة بالإنسان أو الواقع وارتهاناته الانعكاسية. فيكشف عن أحداث ظاهرة أو مخفية، بإيحاءات مبطّنة بصريًا، لنغرق في لجج النفس التي نشعر بها من خلال شخوصه المرسومة، والمحكوم عليها بلحظة انطبعت في ذاكرة تصويرية تخيّلية، تُضفي على الواقع روح التراث التشكيلي الخاص، الذي يحتفظ به "جميل ملاعب" في لوحاته كبصمة تندمج مع الشكل والمضمون، وتتدافع موسيقاها لتحتفظ اللوحة بقيمة الحياة بين الطبيعة والإنسان، أو بين الواقع والمتخيل، أو بين الظاهر والباطن، وما يكتنه اللوحة من مفاتيح جمالية نحاول تحليلها بصريًا في كل مرة نشاهد فيها أعماله التشكيلية.

تم نشره قي أيلول 2017. في جريدة اللواء لبنان