مشاهد بانورامية ضيقة تعكس من خلالها سلسلات اجتماعية.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية " لقيطة إستانبول" للروائية أليف شافاق.
تعتمد أليف شافاق في روايتها " لقيطة في استانبول" التي ترجمها خالد الجبيلي إلى العربية على التركيب اللغوي المحوري الذي يضع القارئ أمام الأحداث الاجتماعية، والسلوكيات المتوارثة، فالدلالة في السرد الروائي يخدم سياسة فكرية معينة تهدف إلى نبش الماضي في زمن معولم ثقافيا، لأن التزاوج بين الشعوب يحمل رؤية تاريخية لا يمكن محوها من خلال سرد مأساويات يتم تحديثها، لتبقى في ذاكرة الشعوب، كأنها ناقوس خطر نلجأ إليه، لنضع أنفسنا في دائرة يصعب الخروج منها، وحرف نفي بدأت به تؤكد من خلاله على الارتباط الشديد بين البداية والنهاية ، ورمزية القدر المجبولة بصرخة استنكارية تسببها مجتمعات ما زالت بحاجة إلى الخروج من مفاهيمها السلوكية التي تسبب غالبا الشذوذ بكل نواحيه، لتتساءل فجأة وبتناقض مفاهيمي: لماذا تصعب مصادقة الرجال؟.
تدقق أليف شافاق في التحولات الزمنية حيث التشابك الاجتماعي والتغيرات المفتوحة على مصراعيها بين الشعوب، فالانتهاكات القوية لحقوق الإنسان تتسبب بالكثير من الأمراض النفسية الشبيهة بالخلايا النائمة المستترة، لتبقى معاناة الأشخاص المرضى نفسيا شبيهة بقطرة المطر، أو" نوتة موسيقية شذت عن اللحن" إلا أنها دمجت المفاهيم الغربية مع المفاهيم العربية، ووضعت القارئ أمام جدليات افتراضية، وبحث عن هوية مستقبلية لتركيا، لتخرج من الأسلوب الروائي والنص الأدبي إلى بناء مشاهد بانورامية ضيقة تعكس من خلالها سلسلات اجتماعية. حددت قواعدها بومضات خاطفة ، كالقاعدة الذهبية ، والفضية ، والنحاسية ، لحصافة المرأة الإسطنبولية مع الاستراتيجية الذهبية والتمرد على المجتمعات، رغم أن العنوان يوحي بالتفكك الأسري" لقيطة إستانبول" وعنوان آخر لمفهوم تركته بعنوان" الأم المهيمنة" لندرك فيما بعد أن الأم الأرمنية الأصل التي تركت طفلها، وهاجرت إلى أمريكا هي سبب تلك القساوة التي يتمتع بها والد زليخة التركي، فهل تحاول أليف شافاق السخرية من القارئ؟ أم أنها تحاول الخروج من حلزونيات أسلوبها الشبيه بالمتاهات الزمنية التي لا هم لها إلا التلاعب روائيا على الفكر الاجتماعي الملتزم بنمطيات التمرد، والاستنكار غير البناء في تقديم الحلول، فتقول:" المادة الثامنة إن كان يوجد بين المجتمع والنفس واد عميق لا يربطهما إلا جسر متحرك، تستطيعين أن تحرقي ذلك الجسر، وأن تقفي إلى جانب الذات، سالمة مسالمة، إلا اذا كان الوادي هدفك" فهل من واد عميق بينها وبين المجتمع في رواية لم تتماسك فيها الحبكة؟ أم أنها " خلال عشرين سنة من عملها كمعلمة تاريخ القومية التركية اعتادت أن ترسم حدا فاصلا بين الماضي والحاضر مميزة الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية." فهل رسمت أ ليف شافاق حدا فاصلا بين الرواية كنص أدبي، وبين اجتماعيات مروية، وتواريخ لمذابح أضنة وعمليات الترحيل؟ لكن فعلا كما قالت في رواياتها " إن الأدب يحتاج إلى الحرية لينمو ويزدهر، وهي قيدته بفكرة المقارنات بين الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية، وبين الأميركيات وقدرتهن على التغيير، متسائلة من هو الزوج الثالث الذي سيقع عليه اختيارها بعد أن تزوجت رجلا أرمنيا ثم رجلا تركيا متناسية بذلك وفاء العربيات والتزامهن بالمحافظة على العادات والتقاليد الاجتماعية التي تخفف من وجود اللقيطات في البلاد العربية بمقابل ارتفاع نسبة عدد اللقيطات وعمليات الإجهاض في الغرب .
لم تجابه العائلة زليخة وحقيقة اغتصابها إلا بقطرات من سيانيد البوتاسيوم الذي يصعب اكتشافه، لأن اللوز أحد مكوناته العديدة، لتمنح الأخ الوحيد الراحة النفسية من الإحساس بالذنب بعد أن قرر العودة إلى تركيا، رغم أنه عاش فترة طويلة لم يتمكن من خلالها المجتمع الأميركي غسل دماغه من الأدران النفسية، ولا أن يفك الغرب عقدة العربي الشرقية مهما كانت عناوين التحرر قوية، لأن للمرأة فيه كيانا خاصا، ولكن السؤال: لماذا أليف شافاق تصور الأتراك وكأنهم الشعب القاسي بالماضي أو المتراخي في زمن العلمانية الحديثة؟ إن ما طرحته من مشكلات اجتماعية ما هو إلا مجموعة من المكتسبات السلوكية لقساوة الطبع عند رجل من أم أرمنية وأب تركي" إن مشكلتنا نحن الأتراك أنه ساء تفسير نقوله دائما ويساء فهمنا، لذلك يجب على الغربيين أن يروا أننا لسنا مثل العرب على الإطلاق، فهذه دولة علمانية حديثة"
لم تتمكن أليف شافاق من شد وثاق الحبكة الروائية بمقدرة روائية تقف على الحياد أدبيا من اجتماعيات لا ترتبط بسياسات الماضي أو الحاضر، لأن زمن العولمة يرفض القوقعة التي حصرت نفسها داخلها، ومن ثم التناقض بين التعاطف مع الأرمن وشن الهجوم عليهم، والتعاطف مع الأتراك وشن الهجوم عليهم أيضا " وإن وجود الكثير من الأرمن الذين يسوطون الأتراك بسياطهم دليل واضح على أن العثمانيين لم يضطهدوهم" دون أن تنسى أيضا طرح عنوان هو وضع النساء في البلدان الإسلامية ، ولم تكلف نفسها الدخول في التفاصيل، مما يسبب الإرباك في مخيلة القارئ الذي لم تمنحه قوة في المعاني السيميائية ، فإذا " كان تمازج القصص العائلية إلى حد أنه قد يكون لما حدث في أجيال سابقة تأثير على تطورات لا علاقة لها بيومنا الحاضر" فلماذا كل هذه العشوائيات الاجتماعية في رواية تخلخلت عناصرها الفنية، وكأنها تصف في جملة ما روايتها " ليس اللقيط إلا ضرسا مخلخلا آخر في فك المدنية يمكن أن يسقط في أي لحظة."
أسلوب عاطفي تظهر من خلاله الأحاسيس الاجتماعية النمطية التي تدفع القارئ للبحث عن المنطق في طروحاتها غير المتجانسة في إسقاطاتها النفسية على زليخة، وعلى شخوص روايتها، ورغم قصتها المركبة اجتماعيا نوعا ما لم أشعر بالتأثر، لأن الأسلوب يفتقد لمخيلة متسعة الفضاءات، وللصور الدرامية والتعبيرية التي جاءت غير مكتملة حتى في مشاهد الجنازة " كان ذلك الإيقاع المتماوج المتناغم هو الذي يمس شغاف قلوب المعزيات، مع أنهن لم يكن يفهمن اللغة العربية" لم تتمكن أليف شافاق في روايتها هذه من أدواتها الروائية بل تركت القارئ بحاجة إلى" جني كي يستوعب هذا الأمر" أي حكايتها الاجتماعية الناقمة على الماضي والحاضر.
Doha El Mol