الروائية نسرين بلوط لـ"اللواء": "الخيال الروائي ومتطلباته الفنية هو بمثابة قِبلة للمتلقي ومصدر إيحائه".

حاورتها: ضحى عبد الرؤوف الملّ

الرواية التاريخية هي مماحكةٌ في تسيير الأحداث وطريقة ترتيبها، لتتوغل في أعماق القارئ بأسلوبٍ شفاف ميتافيزيقي فلسفي بطبيعته، واقعيّ بحت بتوصيفه وتحديثه بعض المعطيات.وفي رواية "الخطيئة" الصادرة عن دار "ناريمان"، تعمّدت الروائية نسرين بلوط تناول حقبة مهمة من تاريخ لبنان غيّرت في التكوين السياسي للبلد، ومهّدت لنظام المتصرفية الذي تمخّض عنه الكثير من التغييرات الجذرية.

ووقائعها حقيقية، تعكس ظلال أبطالٍ عاشوا، ثاروا، واحتدموا بقوة مع مجتمعهم وواقعهم، ورحلوا تاركين آثار أرواحهم حيّة في سِفْرِ التاريخ. بدءاً من المير بشير الثاني إلى طانيوس شاهين إلى ميرا الراهبة التي وُجدت بلا شك في ذلك الزمن.

ومع الروائية نسرين بلوط أجرينا هذا الحوار:

- تتنقلين بين وصف الأمكنة، ما علاقة ذلك في مبنى روايتك؟

استحضار وصف المكان الروائي ضروري جداً، بل يُعتبر حجر الأساس في العناصر الفنية للرواية، لأنّ الحافز هو ابتداع اللغة للمكان انصياعاً لأهداف الخيال الروائي ومتطلباته الفنية. وهو بمثابة قِبلة للمتلقي ومصدر إيحائه.

- ما هي الرسالة التي أردتِ توجيهها للقارئ من تناول مرحلة تاريخية معيّنة؟

قال ليو تولستوي: "الجميع يفكر في تغيير العالم ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه".وفي روايتي، رسالة مبطّنة للتاريخ نفسه، وليس لمرحلة فيه، بأنّ الوجوه تتغير والقناع واحد.المستعمرون تتبدّل أوطانهم، ولكن هدفهم التفريق والتشتيت بيننا.والثائرون مثل طانيوس شاهين، بطل روايتي، كثيرون، ولكن اتهامهم بالخيانة يسير وسهل على أصحاب الشأن في اللوجستية الذاتية.الشاعر آرثر رامبو ثار على نفسه قبل أن يثور على الثورة ذاتها، وعلى الفوضوية والبوهيمية التي سادت زمنه، فجسّد صورة الإنسان العاصي. وقد أردت أن أكون ثائرة بكل ما في الثورة من مغزى، على نفسي قبل غيري، لحالة الفوضوية التي عمّت عالمنا العربي منذ الأزل.

- لاحظتُ أنك تتحدثين عن مرحلة كانت الرأسمالية التجارية بشكل خاص تشقّ طريقها بقوة في المدينة، بينما النمط الإقطاعي كان ما زال مهيمناً. كيف عكستِ ذلك؟

لقد أشرتُ في الرواية إلى أنّ للاستعمار دائماً وجهاً من وجوه الإيجابية، ولو بشكلٍ واهٍ وضئيل.فالاستعمار العثماني في وقتها شهد فتحاً لبضائع الإفرنج على الموانئ اللبنانية، وقد أطلقوا عليها لقب "الدُرّة الغالية"، وشهد لبنان فتحاً تجارياً مهماً، مما خلق طبقة برجوازية تكنّ الحقد للإقطاعيين، وتسعى لمساندة الفلاحين، وتلعب دوراً بارزاً في هذا المنوال.

وجاءت المجالس البلدية لتشدّ من أزر الطبقة الضعيفة بمواجهة أسيادهم الإقطاعيين في ذاك الحين.

- تقولين العاصمة بيروت، مع أنه في تلك المرحلة التي بُنيت قصتكِ فيها لم يكن لبنان قد قام. ما هي الغاية من ذلك؟

روايتي تدور بين عامي 1840 و1875.بيروت أسسها الفينيقيون منذ حوالي عام 3000 ق.م.، ثم تدمّرت، ثم أعاد الرومان بناءها، وفي عام 1516، أيام السلطان سليم الأول العثماني، كانت بيروت تُعدّ قرية صغيرة.وخلال القرن السابع عشر، قام الأمير فخر الدين بتشييد العمران وتحسين ملامحها، وكانت مقرّاً أساسياً للتجارة.إذن، هي عُرفياً العاصمة منذ قديم الزمن، رغم أنّ التسمية جاءت متأخرة.

- ثمة صراع داخلي تحدثتِ عنه حين وقوع بطلتكِ في الخطيئة. ما معنى ذلك ولماذا هذا الصراع؟

الصراع يتأجّج في كل نفس بشرية تعبث بالنور والظلام معاً. كاذبٌ من يقول بأنّه عاش كل عمره سابحاً في النور، ولم يتمرّغ ولو مرة في الظلام الحالك. ربما يدفعه لذلك الحب، أو الحاجة، أو التعطش للحنان والحرية. في رواية آنا كارنينا يقول تولستوي: "قبل أن تصدر الحكم على الآخرين، احكم على نفسك".

وقد كنتُ جريئة إلى حد أن فصّلتُ هذا الصراع الدائر في روح البطلة المارونية الزحلاوية "ميرا"، وهي تنتمي إلى أكبر عائلة إقطاعية في زحلة، بين تعبدها في الكهف الذي كان بمثابة كهف لعهد "أوقيانيوس والفتيان السبعة" لها، إلى تكريسها له عندما غرقت في حب شاب درزي يُدعى "عابد" إلى كهف اللذة.

وتثور على الله لأنه لم يلجم جسدها، ثم تتوب إليه فتذهب إلى الدير، ثم تثور مرة أخرى وتغرق في خطيئة جديدة مع شاب آخر يُدعى "غسان"، فقط لتنتقم من خالقها.وهذا الصراع هو حبكة الرواية ومفتاحها السحري الذي يشرّع أبواب التعبير لكل نفس بشرية متقوقعة على ذاتها.

- تناولتِ الزواج المختلط في مرحلة معينة. لماذا؟ بهذا اتخذت الرواية منحى ديني. ما رأيك؟

هذه المشكلة جذرية وأساسية في عالمنا.الله لا يسكن قباب الجوامع ولا نواقيس الكنائس، هو في القلب، وفي الشوارع، بين الفقراء، والمهرولين نحو البؤس رغماً عنهم.الدين سنّ الشرائع ومنع الزواج المختلط، إذن هو من صنع البشر. هنا يحضرني قول الشاعر جلال الدين الرومي: "من دون الحب، كل الموسيقى ضجيج... كل الرقص جنون... كل العبادات عبء".إذن، الدين يصبح العبء الأكبر في طريق الحب الذي أحلّه الله، فلماذا نحرّمه نحن فقط من أجل الدين؟

والرواية لا تتخذ منحى دينياً، هي تتخذ شعاب الإنسانية كلها محوراً لها، بدءاً من ثورتها على الطائفية، وحرب الإقطاعيين والفلاحين، والاستعمارات الخارجية والذاتية، ومنع الزواج بين الأديان، والأهم التكتم على خطايانا بدل أن نشقّ صدر العتمة لنُخرج هيكلها فتغرق في النور كي تصبح وجه الحقيقة له.

تحليل للحوار مع الروائية نسرين بلوط

هذا الحوار يضعنا أمام تجربة روائية ذات طابع تاريخي-فلسفي-روحي، كتبتها نسرين بلوط بانخراط وجداني وفكري عميق في قضايا الإنسان والمجتمع والدين والسياسة.

روايتها "الخطيئة" تُعالج لحظة تاريخية مفصلية من تاريخ لبنان، وهي مرحلة ما قبل المتصرفية، لكنها تتجاوز التاريخ كماضٍ ساكن لتعيد تشكيله من زاوية الوعي الفردي والذاتي، وتسقطه على الحاضر بأسئلته القلقة والمفتوحة.

ثانيًا: البنية الفكرية – الرواية كأداة تأمل وتمرد

تصريح الكاتبة بأن الخيال الروائي "قِبلة" للمتلقي ومصدر إيحاءه، يُقدّم رؤيتها للفن كطقس وجودي روحي، يتجاوز الحدث إلى التأويل. هي لا ترى الرواية مجرّد سرد تاريخي أو نسج حكاية، بل طقس استبصار داخلي وفلسفي. كما تُعلن نسرين بلوط تمرّدها الصريح على السلطات التقليدية: الدينية، السياسية، المجتمعية، وحتى النفسية. تمردها يشبه حالة "الاعتراف بالخطيئة" كطريق نحو التطهّر الوجودي والفكري.

في أكثر من موضع، تعلن أن روايتها ليست فقط عن شخصيات تاريخية، بل عن الانقسام الداخلي للذات، وعن الجراح التي تخلّفها الطائفية والسلطة الذكورية والدين المسيّس.هي لا تقدّم التاريخ كوقائع توثيقية، بل تعيد كتابته بمنطق الاستبصار الوجودي. تقول بوضوح: "رسالتي للتاريخ وليس لمرحلة فيه".هذه المقاربة تجعل التاريخ مرآة لفهم الحاضر، وتكشف أن ما تغير هو الأسماء، أما الجوهر (القناع الواحد) فثابت.

من خلال شخصية "ميرا"، الكاتبة تعيد مساءلة المفاهيم الجاهزة عن المرأة، الجسد، الخطيئة، الطهارة، الإيمان، والثورة. الصراع الذي تخوضه البطلة بين حبها وشغفها واحتشادها العاطفي، وبين عُقدة "الخطيئة" المرتبطة بالجسد والدين، يكشف عن بنية أيديولوجية عميقة تتوارثها المجتمعات الشرقية حول المرأة.

الحوار يُظهر كيف أن الرواية بنتها بلوط على مفارقة سردية تجمع بين: سرد تاريخي فيه وقائع حقيقية (المير بشير، طانيوس شاهين...) حفر نفسي في الذات البشرية، خاصة الأنثى، التي تجد نفسها بين قمع الدين والعائلة والمجتمع.

هذا يضع الرواية ضمن ما يمكن تسميته "الرواية الفلسفية التاريخية"، التي تستلهم التاريخ لإثارة أسئلة معاصرة حول:

السلطة والحرية، الدين والإنسان، الحب والمحرم، الهوية والانتماء

نسرين بلوط لا تهاجم الدين، بل تنتقد تسييسه وتحويله إلى سلطة على الجسد والعاطفة. حين تقول:"~الله لا يسكن قباب الجوامع ولا نواقيس الكنائس..."

فهي تضع تجربة الإيمان في سياقها الإنساني الفردي، وتنتصر للروحاني على حساب الطقوسي والمؤسساتي.

وفي موقفها من الزواج المختلط، ترفض المنع الديني انطلاقًا من فلسفة الحب كقيمة أسمى من الدين ذاته، مستشهدة بجلال الدين الرومي، الذي يوظفه الخطاب الروائي كمرجعية للتمرد الصوفي والإنساني.رغم أن الحوار لا يغوص في التفاصيل التقنية، يمكن من خلال ما ذُكر استنتاج الآتي:

المكان: له وظيفة جمالية ودلالية، ليس مجرد إطار، بل عنصر تعبيري ومحرّك للحدث (الكهف، الدير، زحلة، بيروت...). الشخصيات: ذات طابع رمزي، لا تمثل فقط نفسها، بل فئات أو تيارات اجتماعية وفكرية.

نسرين بلوط في هذا الحوار لا تقدّم نفسها فقط كروائية، بل كمفكّرة ومؤرّخة وناقدة لمجتمعها، تكتب ضد النسق، وتستعيد التاريخ كأداة لمساءلة الحاضر، من موقع ذاتي نسوي متمرّد. كما يظهر من الحوار ليست فقط وثيقة أدبية، بل بيان تمرد فكري وجسدي وروحي على البنى التي كبّلت المجتمعات الشرقية، عبر الدين، والإقطاع، والطائفية، والخوف من الجسد.

هل ترغب أن أوسّع هذا التحليل ليشمل مقارنة مع كاتبات عربيات أخريات تناولن التاريخ أو الخطيئة (مثل أحلام مستغانمي أو هدى بركات)؟

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B5%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%B7-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84-%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%B5%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%AD%D8%AC%D8%B1-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9/

تم نشره عام 2017