الروائي محمد جبعيتي للواء: "الرواية هي سلاحي الذي أدافع به عن وجودي الفلسطيني"
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
هي لعبة روائية، انبثقت عن قصديّة مسبقة وتقنيات واعية. أراد من خلالها "محمد جبعيتي" أن يكتب الحلم في روايته الصادرة عن "دار الفاربي" بعنوان "رجل واحد لأكثر من موت"، لأن الحلم من وجهة نظره أكثر واقعية من الواقع نفسه. معتبرًا أن ما حولنا ليس أكثر من عالم مزيّف، مؤثّث بالأوهام والأكاذيب، وكأننا نلعب أدوارًا في الحياة، أما في الحلم فإننا نكون أكثر التصاقًا بحقيقتنا، أكثر صدقًا ونقاءً. وهو لا يقصد بالحلم ما نراه فقط في نومنا ويقظتنا، بل كل ما نتمنّى أن نكونه، وفلسطين هي البوصلة الروائية للروائي "محمد جبعيتي"، ومعه أجرينا هذا الحوار..
ـــ تقف المرأة الغربيّة أمام المرآة، والفلسطينية تحت شجرة الجمّيز، هل هذا مطالبة بحقوق فلسطينية أم هو تقديس لها؟
أرفض تقديس المرأة الفلسطينية، فهي تحب وتمارس حياتها مثل بقية نساء العالم، تبكي وتتألم عند استشهاد أحد أبنائها مثل جميع الأمهات. لكنها وجدت نفسها أمام أحقر وأبشع احتلال عرفه التاريخ، إنها تقاتل في كل يوم الاحتلال والفقر ومشاكل تراكمت بمرور السنين. أعتقد أن المرأة الفلسطينية في جوهرها لا تختلف عن المرأة الغربية، وعن أية امرأة في العالم، من حيث سعيها إلى الإبداع وإثبات ذاتها، ومطالبتها بحريتها وحقوقها المشروعة.
ـــ الفن أقوى من الموت. هل تمارس فن الحياة لتمنحه لفلسطين روائيًا، وبتورية مقصودة؟
معركتنا مع الإسرائيلي هي معركة وجود، فإما أن نكون أو لا نكون. في الحقيقة، ليس في كلامي أية مبالغة، يعيش الآن في الضفة الغربية حوالي مليون مستوطن، الأرض تضيع في كل لحظة، والعالم يقف متفرّجًا. نحن نقاتل بالسلاح واللحم العاري والقلم والريشة، الرواية هي سلاحي الذي أدافع به عن وجودي الفلسطيني. الصراع في الأساس بين حكايتين، وأنا أسعى إلى ترسيخ حكايتنا عبر الكتابة.
ـــ هل تحاول تحقيق التكافؤ الاجتماعي المفقود في العالم بشكل عام؟
لا أسعى إلى تغيير العالم، أنا أقول ما ينبغي أن أقوله. الجحيم هو ألا أستطيع قول ما ينبغي قوله.
ــ كتبت نقدًا روائيًا صريحًا في الرواية عبر أكثر من نقطة، عالجتها بهدوء، لماذا؟
تكاد تكون الرواية في العصر الحديث حاضنة للمعرفة الإنسانية. عندما أشتغل في رواية أكون سائحًا في مدينة غريبة، أو عاشقًا في حديقة عامة، أقطف وردة، وأجري حديثًا عابرًا مع أحد الجالسين على المقاعد، أصادف قطة أو تقع حادثة خارجة عن المألوف، فأكتب عنها. وما تطرقت إليه في الرواية من حديث حول الفن الروائي كان هدفه أن أقول تصوّري وفهمي الخاص لهذا الفن، لأنّه لا وجود لي خارج الكتابة. إنها أداة مهمة لفهم العالم، وهي أيضًا موقف إزاء الوجود.
ـــ مجموعة لوحات بنيت عليها رواية ما بين إيطاليا وفلسطين، هل تقصد أن معاناة الإنسان العربي هي نفسها في كل مكان؟
الإنسان العربي الذي يعاني من الفقر والعنف والتخلّف، تلحقه هذه اللعنات حتى بعد أن يترك وطنه، لأنها أحدثت في داخله أعطابًا وجروحًا داخلية، ليس من السهل التخلص منها. كما سيدخل العربي في صراع بين ماضيه وإرثه الثقافي وبين ثقافة الغرب، ومحاولة تقبُّل القيم الجديدة.
ـــ سريالية مستقبلية لمتوقعات تحدث هنا وهناك، وفلسطين برزت في الوسط، هل اعتمدت التورية؟
النص غير مغلق وقابل للتأويل. المهم، بالنسبة لي، أن تكون هناك فراغات فنية للقارئ، وأن يمنح حرية فهم النص وتأويله. هناك قارئ قال لي إنّ كاظم في الرواية يرمز إلى فلسطين، لذلك كانت كلمة "ستموت" افتتاحية النص، كأن هذا تنبؤ مستقبلي من الآخرين/الأعداء بنهاية القضية الفلسطينية وتصفيتها، لكن في النهاية لا يموت كاظم، بل يموت من راهن على موته بالمرض وفقدان الأمل. تعلمت ألا أقول الأشياء مباشرة، وخصوصًا فيما يتعلق بفلسطين.
في تحليل للحوار معه
محمد جبعيتي يبدأ الحوار بتأكيد أن الحلم في روايته ليس مجرد حالة نوم أو تخيل، بل هو فضاء أكثر واقعية من الواقع نفسه. هذه الفكرة تعكس موقفًا فلسفيًا يرى في الواقع المحيط به (خصوصًا الواقع الفلسطيني) عالمًا مزيّفًا مليئًا بالأوهام والكذب. الحلم هنا يمثل فضاء حرًا من قيود الواقع، يسمح له بأن يعبر عن الحقيقة الداخلية والذاتية، وعن الأمل، وربما المقاومة، بعيدًا عن قيود الاحتلال والإذلال.هذا الطرح يحمل إشارة عميقة إلى وظيفة الأدب كفضاء للحرية والإبداع، فهو لا يكتفي بسرد الواقع بل يحاول تغييره أو إعادة صياغته من خلال رؤية مغايرة، وهو ما يبرر أهمية الرواية كأداة مقاومة وأداة للحفاظ على الذاكرة والهوية.
الكاتب يرفض النظرة المثالية أو التقديسية للمرأة الفلسطينية، ويعطيها صورة إنسانية متكاملة تشبه نساء العالم، مع خصوصية الصراع الذي تعيشه. هذا موقف متوازن وعميق، فهو يرفض تبسيط دور المرأة إلى رمز أو أداة فقط، لكنه يعترف بقسوة الظروف التي تكافح فيها المرأة الفلسطينية—احتلال، فقر، وواقع اجتماعي معقد.
من هنا يظهر الكاتب كفيلسوف إنساني وواقعي، يعترف بتحديات الواقع لكنه يرفض تبسيط الشخصيات، وهو ما يعكس وعيًا ثقافيًا عميقًا تجاه القضية الفلسطينية كقضية إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية.
تصريح جبعيتي بأن "الرواية هي سلاحي الذي أدافع به عن وجودي الفلسطيني" يحمل دلالة رمزية مهمة. فالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هنا لا يُفهم فقط كصراع على الأرض، بل كصراع على الرواية، على السرد، على الذاكرة، وعلى الحكاية التي ستظل حيّة في الوعي العالمي.
هذا يعكس وعيًا تامًا بأهمية الأدب والكتابة كجزء من المقاومة، وخاصة في ظل غياب فعّال للسلطة السياسية أو العسكرية التي يمكن أن تحمي الوجود الفلسطيني. الرواية ليست فقط سردًا بل استدعاء للوجود والمقاومة الفكرية والروحية.
يؤكد جبعيتي على ضرورة ترك فراغات في النص لتسمح بتأويلات مختلفة من القارئ، وهو موقف متقدم في الإبداع الأدبي المعاصر، حيث النص لا يكون مغلقًا بل يتفاعل مع القارئ، ويتطور معه. استخدام التورية، خصوصًا فيما يتعلق بفلسطين، يُظهر حساسية عالية تجاه الوضع السياسي، ويبرهن على أن المقاومة الأدبية قد تكون أحيانًا في الخفاء، وفي الرموز.هذا الأسلوب يفتح المجال لتعدد القراءات ويتيح للحوار الأدبي والإنساني أن يستمر رغم القمع والرقابة.
تأكيده على أن الإنسان الفلسطيني والمرأة الفلسطينية لا يختلفان جوهريًا عن الآخرين في العالم يطرح قضية الإنسانية المشتركة، مع إبراز خصوصية المعاناة التي تشكلها ظروف الاحتلال والفقر والتاريخ الثقافي.هذا يضع القضية الفلسطينية في إطار أوسع، ليس فقط صراعًا سياسيًا بل صراعًا إنسانيًا وثقافيًا، ويؤسس أرضية لفهم متبادل وتضامن مع شعوب أخرى تعاني من الظلم والاحتلال.
حوار محمد جبعيتي يقدم رؤية أدبية وإنسانية عميقة، حيث الرواية هي مساحة مقاومة فكرية ووجودية، والحلم فضاء لصدق أكبر من الواقع المزيّف. المرأة الفلسطينية تُعرض هنا بواقعية غير مثالية لكنها مليئة بالقوة، والرواية نفسها تتعالى لتصبح سلاحًا في صراع وجودي.
الكاتب يُظهر وعيًا فلسفيًا عميقًا، يجمع بين الموقف الإنساني، السياسي، والإبداعي، ويؤكد على أهمية النص الأدبي المفتوح، الذي يترك للقارئ حرية التأويل، كأداة لتجاوز قمع الاحتلال والتشويش على الهوية.
تم نشره عام 2017 في جريدة اللواء
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AC%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D8%AA%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84-%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D8%A3%D8%AF%D8%A7%D9%81%D8%B9-%D8%A8%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A/