الروائي موريس النجار للمدى :" الطِّفلُ هو القارِئُ الصَّعبُ الَّذي يُواجِهُهُ الكَتَبَة. فَهُوَ لا يُهادِنُ، ولا يُداجِي، وصَبرُهُ سَرِيعُ النَّفاد"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

في الحَقِيقَةِ، عِندما يَطفَحُ الشُّعُورُ، وتَطغَى على القَلبِ أَمواجُ الذِّكرَياتِ، وبِالأَخَصِّ عِندما يُغِذُّ الإِنسانُ سَيرَهُ في مَتاهَةِ العُمرِ المُتَقَدِّمِ، يَعجَزُ القَلَمُ عن إِخراجِ المَشاعِرِ. كَلِماتٍ تَرتَقِي إِلى ذُرَى الخَيالِ فِيها، وتَغُوصُ إِلى أَعماقِ الحَنِينِ في قَرارَتِها البَعِيدَة.رِوايَة صادِرَةٌ عن أَحاسِيس، وحُرَقِ الفُؤادِ في مَسِيرَة طَّوِيلَةِ، وما لا يَصدُرُ عن القَلبِ لا يَثبُتُ في القَلب. وهي مَشاهِدُ مِن الحَياةِ، رَسَمها المؤلف "موريس النجار" بِرِيشَةِ المَشاعِرِ فَأَضفَى عَلَيها بُعْدًا لا تُظهِرُهُ المَحسُوسَات. مِن طَبِيعَةٍ هِمْتُ بِها حَتَّى الجُنُونِ، إِلى قِيَمٍ لَمَّا تَزَل في النَفس، إِلى أَيَّامٍ وَلَّت فَتَرَكَت في القَلبِ جِمارًا لا تَخبُو، وذِكرَياتٍ فِيها طَعمُ الحَنِينِ والكَآبَة. وقد تميزت بدِينَامِيَّةً نأَى بِها عن التَّسطِيحِ والرَّتابَةِ والتَّكرارِ، في بَيانٍ مِن نَسِيجِ الشِّعرِ وخَيالِهِ ورُؤَاهُ، مِن دُونِ أَن يَكُونَ الشِّعرُ غايَةً، بل وَسِيلَةٌ مُترَفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ لِنَقلِ الواقِعِ المَحكِيّ.والماضِي جُذًى نَظُنُّها اختَفَت في رَمادِ الزَّمَنِ، ولكِنَّها باقِيَةٌ هناك، في الصَّمِيمِ الأَدفَأِ، نَحمِلُها أَنَّى ارتَحَلنا، ومَهما تَقَدَّمَ العُمرُ، زادًا لِساعاتٍ تَتَصَفَّى فِيها النَّفسُ مِن أَدرانِ الحاضِرِ المَنهَكِ بِالمَشاغِلِ، وتَتَجَلَّى في خَدَرِ الاستِرجاعِ الجَمِيلِ لِأَيَّامٍ غَبَرَت، وشَبابٍ وَلَّى. والذِّكرَياتُ، أَجمَلُ ما فيها هذه المَرارَةُ الروائية اللَّطِيفَةُ الَّتي تُخَلِّفُها في الحَنايا، وتَرسُمُها على الأَجفانِ غَشاوَةً مِن نَدًى. وهي "امرَأَةٌ سَادِيَّةٌ مُحَنَّكَةٌ... إِنَّها تَختَارُ لَكَ بِاستِمرَارٍ الصُّوَرَ الَّتي تُعَذِّبُكَ حَتَّى قَاعِ جُرحِكَ"، كَما تَقُولُ الأَدِيبَةُ غَادَة السَّمَّان.

أَمَّا الرِّيفُ في هذه الرواية بِطَبِيعَتِهِ الخَلَّابَةِ، وأَرضِهِ المِعطاءِ الَّتي أَكَلَت مِن خُطُواتِنا ما أَكَلَت في السَّنَواتِ الغَضَّةِ مِن الطُّفُولَةِ البَرِيئَةِ، والصِّبا الفائِرِ، فَإِنَّهُ الكَنزُ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ بَينَ أَيدِينا، فَعَسَى أَن لا نُضِيعَهُ في مُكَعَّباتِ الإِسمَنتِ الصَّمَّاء. وهو الَّذي أَمَدَّه موريس بِالصُّوَرِ الَّتي تُوَشِّي كِتابَتِه، وبِالوِجدانِ الَّذي يَسرِي في حُرُوفِها مع المِداد. والأَرضُ، "تَصنَعُ نُفُوسَ الرِّجَال"، كَما يَقُولُ بُول كُلُودِيل (Paul Claudel, poète Français, 1868 - 1955). " أَقدار"، في مُعظَمِها، تَجارِبُ ذاتِيَّةٌ، رَسَمتها بِصِدقٍ خالِصٍ، فَتَلَألَأَت في الرِّقاعِ وفِيها حَرارَةُ الحَياةِ، لِذا فَحَظُّها في العُبُورِ إِلى حَيَواتِ الآخَرِينَ وافِرَةٌ، على ما أَظُنّ. وهي تَصوِيرٌ صادِقٌ لِمَساراتِ أَشخاصٍ مَرُّوا في الحياة ، وتَرَكُوا على جِدارِها بَصَماتٍ لَن تُمحَى. والرِّوايَةُ، إِن لَم يَكُن وَكْدُها الرَّئِيسُ تَصوِيرَ الحَياةِ، الَّتي لا استِزادَةَ لِغِناها، فَما تُراهُ يَكُون؟مع الروائي موريس النجار اجريت هذا الحوار...

- رِوايَتُكَ "أَقدار" تُرجِعُنا إِلى الأُدَباءِ القُدَماءِ مَعَ فاصِلٍ مُهِمٍّ هو التَّشكِيلُ الَّذي يُلزِمُ بِالقِراءَةِ الصَّحِيحَةِ، فَما هي، بِرَأيِكَ، قِيمَةُ التَّشكِيلِ، وأَهَمِّيَّتُهُ، في النَّصِّ العَرَبِيِّ على أَنواعِه؟

أَن تُرجِعَ هذه الرِّوايَةُ القارِئَ إِلى الأُدباءِ القُدَماءِ، لَهُوَ قَولٌ يَتَضَمَّنُ قَدْرًا مِن الثَّناءِ إِلى قَدْرٍ مِنَ الشَّطَط. فَإِذا كان المَقصُودُ أَنَّها تَتَمَتَّعُ بِما كانَت عَلَيهِ رِوايَةُ "القُدَماءِ" مِن مَتانَةِ اللُّغَةِ، وخُلُوِّها مِن الأَخطاءِ الإِعرابِيَّةِ، وبَيانِها المَصقُولِ الرَّاقِي، فَإِنَّ هذا لَثَناءٌ تَطمَحُ أَن تَكُونَ جَدِيرَةً بِه. وأَمَّا إِذا قُصِدَت ضَعَفاتُ القَصِّ القَدِيمِ، مِن سَذاجَةٍ في الأَحداثِ، إِلى مُفاجآتٍ تَتَخَطَّى المَعقُولَ تُتَصَنَّعُ لِبُلُوغِ تَشوِيقٍ أَو حَلِّ عُقدَةٍ تَأَزَّمَت، أَو الخُرُوجِ مِن مَأزِقٍ، إِلى تَبسِيطٍ طُفُولِيٍّ، أَحيانًا، في المَشاعِرِ والأَحاسِيسِ والدّرامِيَّةِ المُفرِطَةِ بُغيَةَ استِدرارِ الدَّمعِ وتَوَسُّلِ الآهاتِ، إِلى الغُلُوِّ في الوَعظِ والإِرشادِ، إِلى التَّعَمُّلِ في إِسباغِ بَلاغَةٍ ضافِيَةٍ لا يَحتَمِلُها القَصُّ، فَإِنَّ "أَقدار" بَراءٌ مِن هذا كُلِّهِ، وَ"البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى"!

أَمَّا في أَهَمِّيَّةِ التَّشكِيلِ، وقِيمَتِهِ، فَيَحضُرُ إِلى خاطِرِي قَولُ الدّكتُور مُصطَفَى جَواد: "أَلحُرُوفُ العَرَبِيَّةُ إِذا أُزِيلَت عَنها الحَرَكاتُ زالَت مِنها البَرَكات".ناهِيكِ بِما تَعتَوِرُ القِراءَةَ مِن التِباساتٍ حِينَ تَرِدُ الكِتابَةُ عارِيَةً مِن الحَرَكات. والنَّصُّ العَرَبِيُّ وُلِدَ مُحَرَّكًا، سَوِيًّا، لا شائِبَةَ فِيه، فَهَل نَمسَخُهُ كَرْمَى لِلخَمُولِينَ المُتَوَجِّسِينَ مِن أَخطاءٍ كِتابِيَّةٍ تَكشِفُ عَوراتِهِم؟!وسَبَقَ أَن ذَكَرتُ، في مَقالَةٍ لِي حَولَ اللُّغَةِ، قَولًا مُتَداوَلًا عَن أَهَمِّيَّةِ الحَرَكاتِ، وهو: "إنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشرِكِينَ ورَسُوله". فَجَرُّ اللَّامِ في "ورَسُوله"، وضَمُّها، يُعطِيانِ مَعنَيَينِ مُتَضادَّين.

ثُمَّ أَلا يَزُجُّ إِلغاءُ الحَرَكاتِ القارِئَ في مَتاهَةِ التَّأوِيلِ الَّذي يُفضِي إِلى مَعانٍ مُختَلِفَة؟! التَّشكِيلُ، يا سَيِّدَتِي، عِمادٌ رَئِيسٌ في العَرَبِيَّةِ، وهو الَّذي يَقِيها مِن كُلِّ عِثارٍ، ويَصُونُها أَمِيرَةً بَينَ اللُّغاتِ، فَلا نَستَسهِلَنَّ الأُمُورَ كَي لا نَقَعَ في المَحظُور!

"- أَقدار" هي رِوايَةٌ كلاسِيكِيَّةٌ، ويُمكِنُنِي وَصفُها بِالتَّربَوِيَّةِ القائِمَةِ على السَّبكِ اللُّغَوِيِّ، ومَتانَةِ الصُّورَة. لِماذا هذا الأُسلُوب؟

نَعم هي كلاسِيكِيَّةٌ، أُصُولِيَّةٌ، فِيها مَلامِحُ القَصِّ التَّقلِيدِيِّ، مِن سِياقٍ يَتَساوَقُ مَعَ تَسَلسُلِ الزَّمَنِ، ولُحمَةٍ تَربِطُ الأَحداثَ فَلا تَتَفَكَّكُ وتَتَراكَبُ، ووَصفٍ لِلشَّخصِيَّاتِ مِن خارِجٍ ومِن داخِلٍ، إِلى التَّركِيزِ على البِيئَةِ طَبِيعَةً ومُجتَمَعًا، وإِحياءِ عاداتٍ وسُلُوكِيَّاتٍ مِن صَمِيمِ الرِّيفِ عَفَّاها الزَّمَنُ، وأَكَلَها صَدَأُ النِّسيانِ، وذلك مِن دُونِ السُّقُوطِ في تَجرِبَةِ الوَعظِ والإِرشادِ، والمُصادَفاتِ الصَّادِمَةِ، وتَدَخُّلِ القَضاءِ والقَدَرِ والمَشِيئَةِ العُليا. وهي تَربَوِيَّةٌ مِن ناحِيَةِ التِزامِها بِالقِيَمِ، وابتِعادِها عن تَوَسُّلِ الجِنسِ أَداةً لِلانتِشارِ الرَّخِيص. أَمَّا السَّبكُ اللُّغَوِيُّ المَتِينُ، وَوَفرَةُ الصُّوَرِ، فَهذا مِن مُقَوِّماتِ الكِتابَةِ الَّتي تَدُومُ، والَّتي تَلِيقُ بِها الرُّفُوفُ العُلَى. وفي الأُسلُوبِ الَّذي اتَّبَعتُهُ في هذه الرِّوايَةِ، أُسلُوبِيَ الَّذي لا يَنفَصِلُ عَنِّي، شِعرِيَّةٌ تَتَجَلَّى في النَّثرِ فَتُحِيلُهُ شِعرًا غَيرَ مَنظُومٍ، لائِقًا بِالسَّردِ الرَّاقِي الَّذي يَسِيرُ على حافَّةٍ سَنِينَةٍ بَينَ الطَّبَعِيَّةِ والتَّعَمُّل.

ولا نَنسَى أَنَّ الرِّوايَةَ حَمَّالَةٌ لِكَثِيرٍ مِن الأَلوانِ الأَدَبِيَّةِ، فَهِي تَأخُذُ مِن الشِّعرِ الكَثِيرَ، ومِن السِّينَما رَكائِزَ صُلبَةً تغُنِيها، ومن الفَنِّ التَّشْكِيْلِيِّ أَبعادَهُ وصُوَرَهُ والتَّعبِيرَ عَمَّا يَختَفِي وَراءَ المَشهَدِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، ومِن التَّارِيخِ قاعِدَةً تَرتَكِزُ عَلَيها، ومِن النَّقدِ بَراعَةَ تَحاشِي السَّقَطات. ثُمَّ أَلَيسَت الرِّوايَةُ "شِعرَ الدُّنيا الحَدِيثَةِ"، كَما يَقُولُ أَدِيبُنا الكَبِيرُ نَجِيب مَحفُوظ؟!

- تُعِيدُنا الرِّوايَةُ إِلى أَصالَةِ الأَدَبِ المُحَمَّلِ بِجَمالِيَّةِ الصُّورَةِ والمَعنَى. هَل تَأَثَّرتَ بِالأُدَباءِ مِيخائِيل نُعَيمَة، وأَمِين نَخلَة، وسِواهُما؟

"إِنَّ كُلَّ نَصٍّ جَدِيدٍ هو نَسِيجٌ مِن اقتِباساتٍ مُستَلَّةٍ مِن نُصُوصٍ سَبَقَته". قالَها رُولان بَارْت (Roland Gérard Barthes, penseur Français, 1915 - 1980) صائِبًا. ومِن هُنا لا يَستَطِيعُ أَدِيبٌ أَن يَتَبَرَّأَ مِن أَثَرِ الكَثِيرِينَ، مِمَّن اطَّلَعَ على نِتاجِهِم. فَاللَّاوَعْيُ خَزَّانٌ مِن مَعارِفَ دَبَّجَتها الإِنسانِيَّةُ في مَسِيرَتِها الطَّوِيلَةِ، يَمتَحُ مِنها الوَعْيُ، دَرَى الكاتِبُ أَم لَم يَدْرِ. وكُلُّ مُبدِعٍ هو نَتِيجَةٌ لِتَوقِ النَّفسِ الشَّفِيفَةِ إِلى الجَمالِ الكائِنِ في الطَّبِيعَةِ وفي الأَعمالِ الفَنِّيَّةِ الخالِدَةِ، وفَضْلُ المُبدِعِ على سِواهُ يَكمُنُ في الصِّياغَةِ الَّتِي يَصُوغُ، أَمَّا المَضامِينُ فَهِيَ راهِنَةٌ مِن سَلَفٍ إِلى خَلَف. إِنَّا وَرِثنا الكَثِيرَ مِن كُنُوزِ الكَلِمَةِ، وسِحرُها أَنَّها فاعِلَةٌ في كُلِّ مَن يَمَسُّها، والبَرَرَةُ هُم الَّذِينَ يُوَرِّثُونَها الآتِين. هكذا... ولا أُبَرِّئُ نَفسِي، إِنَّ النَّفسَ لَأَمَّارَةٌ(1) بِالأَخذِ المُبارَكِ مِن كُلِّ إِبداعٍ وجَمال.

وقالَها الإِمَامُ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِب، بِبَلاغَتِهِ المَعهُودَة: "لَولا أَنَّ الكَلامَ يُعادُ لَنَفَد".

أَمَّا أَن تُعِيدَ رِوايَتِي القارِئَ "إِلى أَصالَةِ الأَدَبِ المُحَمَّلِ بِجَمالِيَّةِ الصُّورَةِ والمَعنَى"، فَهذا يُحسَبُ لَها لِأَنَّ الجَمالَ هو الشَّرطُ الأَوَّلُ لِلإِبداعِ، وتَحَدِّي الفَناءِ، والأَصالَةُ هي الباقِيَةُ أَبَدًا كَما عَلَّمَنا التَّارِيخ. أَلَا رَحِمَ اللهُ شَاعِرَنا مَحمُود دَروِيش إِذ قال: "الرِّوايَةَ لَيسَت مُجَرَّدَ سَردٍ أَو عَرْضٍ، إِنَّها بِناءٌ فَنِّيٌّ وَأَداءٌ جَمالِيٌّ لَهُ أَدَواتُهُ الخاصَّةُ ومَعمَلُهُ الخاصُّ، ولا تُسَمَّى الرِّوايَةُ رِوايَةً إِلَّا بِتَصمِيمِ هذا البِناءِ الفَنِّيِّ، وبِتَحقِيقِ هذا الجَمالِ الأَدائِيِّ".

- لا أُبالِغُ إِن قُلتُ إِنَّ الرِّوايَةَ هي تَربَوِيَّةٌ، وتُحاكِي كُلَّ المَراحِلِ العُمرِيَّة. هَل قَصَدتَ ذلك؟

لَقَد أَصَبتِ، يا سَيِّدَتِي، فَالتَّمَسُّكُ بِالقِيَمِ الأَخلاقِيَّةِ مِن إِخلاصٍ وصَداقَةٍ وتَعَفُّفٍ، والاحتِفالُ بِها، والتَّحرِيكُ الَّذي يُلزِمُ القارِئَ بِالقِراءَةِ السَّلِيمَةِ الَّتي تُصبِحُ مَلَكَةً إِذا استَدامَت مُمارَسَتُها، والإِنشاءُ الجَمالِيُّ السَّلِسُ، تَضَعُ هذه الرِّوايَةَ في مَصافِّ الأَعمالِ الَّتي يُنصَحُ الطُّلَّاب بِمُعالَجَتِها. وهي لا تُنَفِّرُ القارِئَ الثَّقِيفَ، لِما فِيها مِن شُخُوصٍ نَماذِجَ نَتَماهَى مَعَها، ومِن عَودَةٍ إِلى مَواطِئِ الطُّفُولَةِ والصِّبا، حَيثُ نَرَى أَنفُسَنا في مَراحِلَ مِن العُمرِ لا تَفُوتُ مَن أَسبَغَ اللهُ عَلَيهِ العُمرَ المَدِيد. وهي لا يَنقُصُها تَحلِيلُ الأَحاسِيسِ، وسَبرُ الأَغوارِ في الوِجدانِ البَشَرِيِّ الَّذي يَتَشابَهُ فِيهِ خَلْقُ الله.

وإِنِّي ما قَصَدتُ غايَةً أَسعَى إِليها وأَنا أُدَبِّجُ، بَل تَرَكتُ القَلَمَ على سَجِيَّتِهِ، يَطُوفُ حُرًّا في مَنازِلِ الذَّاكِرَةِ، كَي لا يُجَرِّحَ في الأَدِيمِ الزَّاهِي لِصُوَرٍ رَسَخَت في البالِ، وما عَفَّتها الأَيَّام.

- يُمكِنُ قِراءَةُ نَصِّ الرِّوايَةِ قِراءَةً إِفرادِيَّةً صَحِيحَةً فَالنُّصُوصُ مُحَرَّكَةٌ وهذا يَضَعُكَ أَمامَ الالتِزامِ بِقَواعِدِ اللُّغَةِ والتَّشكِيل. هَل تَلفِتُ الانتِباهَ إِلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ لُغَوِيًّا؟

الانحِدارُ الَّذي نَراهُ، أَيَّامَنا هذه، في تَوَلِّي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، يَعُودُ، في بَعضِ مَناحِيهِ، إِلى الاستِسهالِ في مُقارَبَةِ هذه اللُّغَةِ المُعجِزَة. فَإِذا رُمْنا الإِصلاحَ وَجَبَ الابتِداءُ مِن حَيثُ سَرَبَ الدَّاءُ، أَي مِنَ التَّفَلُّتِ في تَدَبُّرِ اللُّغَة. لِذا وَجَبَ وَضعُ ضَوابِطَ لِلقِراءَةِ تَقِيها مِن الأَخطاءِ الَّتي تُصبِحُ مَقبُولَةً عِندَ النَّاسِ، وقَد تُصبِحُ القاعِدَةَ إِن أُرخِيَ لَها العِنان. ومِن هُنا كانَ القَولُ المَأثُور: "خَطَأٌ مَشهُورٌ خَيرٌ مِن صَوَابٍ مَهجُور".

- التَزَمتَ بِالحَبكَةِ اللُّغَوِيَّةِ المَتِينَة. أَلَم تُقَيِّدْكَ هذه البِنْيَةُ الرِّوائِيَّة؟

في الحَقِيقَةِ، ما هو التِزامٌ شِئتُهُ، بَل هو مِن صُلْبِ طَبِيعَتِي الكِتابِيَّة. هو أُسلُوبِي، "جِلْدِيَ اللُّغَوِيُّ"، الَّذي لا أَكتُبُ إِلَّا مِن خِلالِه. وما أَحسَستُ قَطُّ بِقَيدٍ يُكَبِّلُنِي، لِأَنَّ مَن يَتبَعُ طَبِيعَتَهُ يَبقَى حُرًّا طَلِيقًا، ومَن يَتَعَمَّلُ لِلتَّألِيفِ لا تُفارِقُهُ السَّلاسِل. وهُنا تَحضُرُنِي قَوْلَةٌ عَمِيقَةٌ لِلفَيلَسُوفِ مارتن هايدِغر(2): "يَتَصَرَّفُ الإِنسانُ على أَساسِ أَنَّهُ سَيِّدُ اللُّغَةِ... لكِنْ في الواقِعِ تَبقَى اللُّغَةُ سَيِّدَةَ الإِنسان".

أَمَّا عِنايَتِي بِمَتانَةِ اللُّغَةِ، والأُسلُوبِ التَّعبِيرِيِّ الشَّاعِرِيِّ، فَمَرَدُّهُ إِيمانِي أَنَّ التَّعبِيرَ عَن الجَمالِ، طَبِيعَةً وعاطِفَةً ووِجدانًا، لا يَكُونُ إِلَّا بِجَمالٍ مُماثِلٍ مَطِيَّتُهُ لُغَةٌ سَلِيمَةٌ بِأَلفاظٍ فائِقَةِ الدَّلالِيَّةِ مَرصُوفَةٍ في جُمَلٍ تَتَناغَمُ فِيها السَّلاسَةُ والجَرْسُ ومُكْنَةُ التَّحرِيكِ والإِيحاء. وكُلُّ ذلك يَجِبُ أَن يَكُونَ في قِسْطٍ، فَالمُبالَغَةُ في التَّنمِيقِ اللُّغَوِيِّ تُسِيءُ إِلى الرِّوايَةِ كَالتَّراخِي والاستِسهال. ولا نَنسَى أَنَّ "الرِّوَايَة لَيسَت ظَاهِرَةً لُغَوِيَّة" كَما رَأَى إِيكُو(3). في النِّهايَةِ، على الأُسلُوبِ أَنْ يَكُوْنَ رَقِيقَ الوَقْعِ، شَفِيفًا نَرَى مِن خِلالِهِ الطَّبِيعَةَ، ويَحمِلُنا بِطاقَتِهِ الإِيحائِيَّةِ إِلى أَعماقِ الشُّخُوص.

- أُسلُوبٌ رِوائِيٌّ لَبِقٌ ومُلتَزِمٌ هو أَشبَهُ بِنُصُوصٍ أَدَبِيَّةٍ يُمكِنُ دِراسَةُ كُلٍّ مِنها بِشَكلٍ مُستَقِلٍّ. ما رَأيُك؟ وما القَصدُ مِن ذلك؟

في القِصَّةِ والرِّوايَةِ يَرَى كُلُّ قَارِئٍ ذَاتَهُ، أَو هَوَاهُ الشَّخصِيَّ، لَكَأَنَّها مِرآةٌ تَعكِسُ صُورَةَ النَّاظِرِ فِيها. وقَد يُؤَوِّلُ فِيها على سَنَنِ نَفسِهِ، وَيَرسُمُ بَعضَها كما تَراهُ عَينُهُ، وهذِهِ نُقطَةٌ تُسَجَّلُ لِلقِصَّةِ؛ فَـ"إِنَّ أَحسَنَ الكُتُبِ هِي الَّتي يَكتُبُ قارِئُها نِصفَها"، كَما يَرَى الكاتِبُ الكَبِيرُ فُولتِير.

وَقَد يَأخُذُ الكاتِبُ مَلمَحًا، أَو تَصَرُّفًا، أَو صِفَةً، مِن شَخصِيَّةٍ حَيَّةٍ يَعرِفُها، أَو التَقاها، فَيَبنِي عَلَيها شَخصِيَّتَهُ القَصَصِيَّةَ، مُضِيفًا، مُلَوِّنًا، مُحَرِّكًا، ولكِنْ مِن دُونِ أَن يَخرُجَ بِها مِن حُدُودِ الواقِعِ والمُمكِن. وهو بِهذا يُبرِزُ المُضْمَرَ في الشَّخصِيَّةِ الحَيَّةِ، أَو يَبعَثُ المَكنُونَ في مَطاوِيها. فالصِّدقُ الحَرفِيُّ الواقِعِيُّ هو لِما يَدُبُّ أَمامَنا في دُرُوبِ الحَياةِ، والصِّدقُ الفَنِّيُّ هو لِما يُدرَجُ على الوَرَقِ، مُحتَمَلًا، تَحدُوهُ رِيشَةُ فَنَّانٍ حاذِقٍ يُتقِنُ اللُّعبَةَ، ويَكنَهُ خافِيَها كَبادِيَها. والشَّخصِيَّةُ الفَنِّيَّةُ هي اقتِطاعٌ مِنَ الشِّخصِيَّةِ الحَيَّةِ، حَيثُ يُسقِطُ الرَّاوِي التَّفاصِيلَ الهامِشِيَّةَ النَّمَطِيَّةَ، ويُبقِي على المَفاصِلِ المُهِمَّةِ المُؤَثِّرَةِ، الفارِقَة.

هذا هو السَّمْتُ الَّذي سِرتُ فِيهِ بانِيًا رِوايَتِي الَّتي يُمكِنُ أَن أُدرِجَها في بابِ الحَبكَةِ العُضوِيَّةِ المُتَماسِكَة (Organic) الَّتي "تَقُومُ على حَوادِثَ مُتَرابِطَةٍ، تَسِيرُ في خَطٍّ مُستَقِيمٍ حَتَّى تَبلُغَ مُستَقَرَّها"(4). وشَخصِيَّاتِي إِنسانِيَّةٌ نامِيَةٌ، تَتَأَثَّرُ بِالأَحداثِ، تَنفَعِلُ بِها وتَتَفاعَلُ مَعَها، فَتَبرُزُ سُلُوكِيَّاتُها مُصَوِّرَةً خَفاياها، والمَشاعِرَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتي تَختَزِنُها. وقد تَوَسَّلتُ تَيَّارُ الوَعْيِ، أَوِ التَّدَاعِيَ، واستِرجاعَ الماضِي في الذَّاكِرَةِ تِباعًا، ما سَمَحَ لِلأَبطالِ بِالتَّعبِيرِ الحُرِّ عن مَكنُوناتِهِم.

وقد تَعَدَّدَت شُخُوصُ الرِّوايَةِ، على أَنَّنِي تَتَبَّعتُ خُطُواتِهِم، مِن نُقطَةِ البِدايَةِ حتَّى النِّهايَةِ، فَلَم أَغفُلْ فِيهِم عن مَلْمَحٍ رَئِيسٍ، أَو رابِطٍ مُهِمٍّ بَينَ شَخصِيَّةٍ وأُخرَى. وهذا ما رَآهُ مَحمُود تَيْمُور إِذ قال: "في الرِّوايَةِ يُعالِجُ المُؤَلِّفُ مَوضُوعًا كامِلًا أَو أَكثَرَ زاخِرًا بِحَياةٍ تَامَّةٍ واحِدَةٍ أَو أَكثَرَ، فَلا يَفرَغُ القارِئُ مِنها إِلَّا وقَد أَلَمَّ بِحَياةِ البَطَلِ أَو الأَبطالِ في مَراحِلِها المُختَلِفَة"(5).

أَمَّا تَشبِيهُكِ السِّياقَ بِـ"نُصُوصٍ أَدَبِيَّةٍ يُمكِنُ دِراسَةُ كُلٍّ مِنها بِشَكلٍ مُستَقِلٍّ"، فَهذا يَصِحُّ إِذا كان مَرمانا هو أَدَبِيَّةُ الكِتابَةِ وفَنِّيَتُها وشِعرِيَّتُها، وغِنَى صُوَرِها وتَعابِيرِها وتَراكِيبِها، وتَجَذُّرُها في الوِجدانِ، ما يَجعَلُها قَرِيبَةً إِلى رُوحِ المَتَلَقِّي الَّذي يَتُوقُ إِلى الاستِزادَةِ مِن قِراءَتِها، وهذا ما أَخَذتُهُ مِن أَلسِنَةِ الكَثِيرِينَ مِن قارِئِيها، الَّذِينَ أَسَرُّوا إِلَيَّ نَجاواهُم. وهذا لا يَنفِي التَّرابُطَ بَين هذه النُّصُوصِ، وتَركِيزَها في الاتِّجاهِ المَرسُومِ وهو مَشهَدِيَّةُ الحَياةِ لِأَشخاصٍ تَلاقَت دُرُوبُهُم ومَنازِعُهُم، ثُمَّ فَرَّقَها القَدَرُ أَحيانًا، وهو الأَعمَى الَّذي لا يَحفَلُ بِما نَحنُ لَهُ ساعُون.

وأُكَرِّرُ، أَخِيرًا، أَنْ لَيسَ مِن قَصْدٍ وَراءَ أَيِّ مَظهَرٍ في هذه الرِّوايَة. إِنْ هي إِلَّا ذِكرَياتٌ طَفَرَت إِلى خاطِرِي، فَأَمسَكتُ القَلَمَ، وراحَت تَتالَى كَأَنَّها النَّبْعُ السَّلسَبِيلُ ما خالَطَ مِياهَهُ إِلَّا بَرِيقُ السَّماءِ، وعَبِيرُ الأَرض.

- مُورِيس وَدِيع النَجَّار أَينَ أَنتَ مِن قِصَصِ الأَطفال؟

الطِّفلُ هو القارِئُ الصَّعبُ الَّذي يُواجِهُهُ الكَتَبَة. فَهُوَ لا يُهادِنُ، ولا يُداجِي، وصَبرُهُ سَرِيعُ النَّفاد. ولا يَكتُبُ لِلطِّفلِ فَيُرضِيَهُ - وكَم إِرضاؤُهُ صَعبٌ - إِلَّا مَن حَباهُ اللهُ مَوهِبَةً خاصَّةً، وأَنا حَرَمَنِي، جَلَّ جَلالُهُ، مِنها، لِذا فَلَن أُقدِمَ على النِّزالِ في أَرضِها الغَرِيبَةِ عن قَلَمِي ورِقاعِي.

- ما رَأيُكَ بِفَنِّ القِصَّةِ المُنكَمِشِ حالِيًّا؟

الهُرُوبُ إِلى القَصَصِ يُتِيحُ لِلإِنسانِ أَن يَتَجَرَّدَ مِن هُمُومِهِ لِساعاتٍ يَخلُو فِيها بِهُمُومِ الآخَرِينَ وشُجُونِهِم، ويَسرَحُ في الأَحلامِ مُنزِلًا عَن كاهِلِهِ عِبْئًا رازِحًا، وقَد تَفَتَّحَت مَكامِنُ المَشاعِرِ في قَلبِهِ، وتَخَلَّلَت جَوانِحَهُ نُسَيماتٌ تُجَدِّدُ فِيها نَشوَةَ الحَياة.

وتَبقَى الرِّوايَةُ مُتَنَفَّسًا، وانسِحابًا، ولو وَهمِيًّا، مِن ضُغُوطاتِ الواقِعِ في هذا العَصرِ المُتَطَلِّبِ اللَّاهِثِ، وخُصُوصًا إِذا اتَّسَمَت بِالحَرارَةِ، والصِّدقِ الفَنِّيِّ، في أَحداثٍ تَتَرابَطُ وتَنمُو.

يَضرِبُ انكِماشُ النَّاسِ عَن الفُنُونِ الأَدَبِيَّةِ كافَّةً ضَربَتَهُ المُحكَمَةَ، فَهُم قَلَّما يَشغَلُهم إِبداعٌ جَدِيدٌ في مَضامِيرِ الكِتابَةِ الفَنِّيَّةِ، لِما في عَصرِنا مِن تَطَوُّرٍ في وَسائِطِ التَّواصُلِ و"المِيديا" ما يَجعَلُ العالَمَ في مُتَناوَلِ أَيِّ فَرْدٍ وهو مُستَلقٍ في أَرِيكَتِهِ يَتَثاءَب.

أَمَّا هذا الانكِماشُ، على صَعِيدِ العَرَبِيَّةِ، فَيَختَلِفُ استِفحالًا مِن فَنٍّ لِفَنٍّ، ولِلقِصَّةِ والرِّوايَةِ النَّصِيبُ الأَدنَى مِنه. فقد يَكُونُ القَصُّ الأَقرَبَ إِلى الذَّوائِقِ لِعَوامِلِهِ المُتَعَدِّدَةِ، مِن تَسرِيَةٍ سَهلَةٍ، وتَشوِيقٍ يُحَفِّزُ الجَوارِحَ، وفُضُولٍ طُبِعَ الإِنسانُ عَلَيهِ، وفِطْرَةٍ جُبِلنا عَلَيها تَشُدُّنا إِلى سَماعِ الحِكاياتِ وما يَجرِي لِلنَّاس.

الرِّوايَةُ، بِمَنظُورِي، هي قِطَعٌ مِن الحَياةِ تَربِطُها الصِّياغَةُ المُتقَنَةُ، وتُوَشِّحُها بِالتَّنمِيقِ الجَمالِيِّ لُغَةً ومُوسِيقَى، وبِالشِّعرِيَّةِ الَّتي تَهُزُّ الوِجدانَ مِن رُكُودِهِ وخُنُوعِه.

في مُحِيطِنا العَرَبِيِّ، اليَومَ، إِصداراتٌ رِوائِيَّةٌ كَثِيرَةٌ تَتَرَجَّحُ بَينَ الرِّوايَةِ الحَدِيثَةِ الَّتي تَحتَفِي بِالجَوهَرِيِّ الثَّابِتِ في سَرِيرَةِ الإِنسانِ، والَّذي يَتَمَظهَرُ في سُلُوكِيَّاتِهِ المُتَعَدِّدَةِ ورُبَّما المُتَناقِضَةِ، والرِّوايَةُ الجَدِيدَةُ الَّتي تَتَجاوَزُ الجَمالِيَّةَ التَّقلِيدِيَّةَ، والَّتي تَعَدَّدَت أَنواعُها وتَسمِياتُها، مِن تَجرِيبِيَّةٍ، وحَساسِيَّةٍ جَدِيدَةٍ بِحَسَبِ تَسمِيَةِ إِدوار الخَرَّاط، وجَدِيدَةٍ، وغَيرِها مِنَ الأَلقاب. وقد تَعَقَّدَت بَعضُ أَنماطِ القَصِّ، وغاصَت في مَتاهاتٍ فَلسَفِيَّةٍ تَستَدعِي الكَثِيرَ مِن التَّأَمُّلِ، وامتِلاكِ عُدَّةٍ ثَقافِيَّةٍ وازِنَةٍ لا تَتَوَفَّرُ إِلَّا في نُخبَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ السَّراة.

وقد غالَى الكَثِيرُونَ مِن دُعاةِ القَصِّ، أَحيانًا، في تَحطِيمِ العَلائِقِ بَينَ المَنطُوقِ والمَنطِقِ، والعَبَثِ بِالشَّكلِ التَّقلِيدِيِّ المَألُوفِ، ما ابتَعَدَ بِأَعمالِهِم عَن مُتَناوَلِ النَّاسِ، إِلَّا قِلَّةً قَلِيلَةً، وذلك لِمُنافاتِها الذَّائِقَةَ العامَّةَ، فَأَدَّى كُلُّ هذا إِلى ضُمُورِ انتِشارِها.

وهُنالِكَ مَن تَوَسَّلُوا الكِتابَةَ الجِنسِيَّةَ الرَّخِيصَةَ وَسِيلَةً لِلرِّبحِ، فَدَنَّسُوا حُرمَةَ الحَرفِ ونَصاعَةَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، ولكِنَّ نِتاجَهُم يَبقَى كَوَرَقِ الخَرِيفِ سُرعان ما تَرذُلُهُ الأَغصان.

في الخُلاصَةِ، ما كُلُّ حَدِيثٍ يَستَسِيغُهُ العَصرُ، ويَبقَى صُلْبًا على الأَيَّامِ، فَـ "الحَداثَةُ مُرادِفَةٌ لِلأَصالَةِ. وهِيَ قِيمَةٌ في العَمَلِ الفَنِّيِّ تَتَجاوَزُ الزَّمَنَ وتَخلُدُ عَبْرَ التَّارِيخ"(6).

- لَعِبَتِ القَصِيدَةُ دَورَها في الرِّوايَةِ، هل هذه تَحَدِّياتٌ لِتَكُونَ "أَقدار" النَّمُوذَجَ لِلعَمَلِّ الأَدَبِيِّ المُعافَى؟

ما مِن تَحَدٍّ، أَو تَصمِيمٍ مُسبَقٍ على شَكلٍ مَرسُومٍ، فَرِوايَتِي هي وِجدانِي نَضَحَ في سَيْلٍ مِنَ التَّذَكُّرِ والاِستِرجاعِ تَلَقَّفَها قَلَمِي ورَسَمَها، بِأُسلُوبِهِ الشِّعرِيِّ الَّذي لا يَتَغَيَّر. فِيهِ التَّركِيزُ، والإِيحاءُ، والمُفارَقاتُ اللَّفظِيَّةُ، والصُّوَرُ، والمُفرَداتُ المُتَنَخَّلَةُ، والتَّراكِيبُ المَصقُولَةُ، والاستِشهاداتُ المُؤَاتِيَةُ، والجَرْسُ حَيثُ يَتَواءَمُ مع السِّياق. هي فِلَذٌ مِن عُمْقِ رُوحِي، وأَظُنُّها سَتَكُونُ مِن عُمْقِ كُلِّ رُوحٍ شَفَّت، فَكَم في الأَعماقِ مِن مُشاكَلاتٍ لا تُظهِرُها السُّطُوح.

العَرَبِيَّةُ تَسرِي في نَجِيعِي، وتُوَقِّعُ نَبَضاتِي، وهي حُبِّيَ الأَصعَبُ والأَوفَى، أَكتُبُها نَثرًا فَلا يَتَصَفَّى مِنَ الشِّعرِ لِأَنَّهُ جَمالٌ خالِصٌ، وأَنا عاشِقٌ مُخلِصٌ لِلجَمال، مُتَيَّمٌ بِلُغَتِنا الَّتِي عَصَت على الحِقَب، هذه اللُّغَةُ الَّتِي رُوِيَ عَن النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ قَولُهُ فِيها: "العَرَبِيَّةُ عُرُوبَةُ اللِّسانِ، وبَلاغَتُها يَقِينُ القَلبِ والفُؤاد"!

والشِّعُر، مُوَشِّيًا النَّصَّ النَّثرِيَّ، يُضفِي عَلَيهِ عَباءَةَ الحُسنِ الخالِصِ، يَملَأُ قَلبَ رائِدِهِ بِالصُّوَرِ العِذابِ، ويُشَنِّفُهُ بِأَلحانٍ خَفِيَّةٍ كَحَفِيفِ الأَنسامِ بَينَ شُجَيراتِ المُنحَدَرِ الأَخضَر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): مُستَوحًى مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَة: ﴿وما أُبَرِّئُ نَفسِي إِنَّ النَّفسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ

إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (القُرآن الكَرِيم، سُورَةُ يُوسُف، الآية 53)

(2): (مارتِن هايدغر، فَيلَسُوفٌ أَلمانِيٌّ وُجُودِيٌّ مُعاصِر.

(Martin Heidegger, German philosopher, 1889 – 1976

(3): أُمبِيرتُو إِكُوUmberto Eco, penseur Italien 1932 – 2016 -

(4): "فَنُّ القِصَّة"، د. مُحَمَّد يُوسُف نَجْم، ص 61

(5): "دِراسات في القِصَّة والمَسرَح"، مَحمُود تَيْمُور، ص ص 100، 106، 107)

(6): "الحَسَاسِيَّةُ الجَدِيْدَة"، إِدوَار الخَرَّاط، ص ص 21، 22

تم نشره في جريدة المدى عام 2017