الفنان المسرحي والإيمائي فائق الحميصي لـ"مرايا عمان": الفن يلعب دوره في التربية الخلّاقة للمجتمع، الذي عليه إيجاد الحلول لأزماته الوجودية."
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
الإيماء لغة قائمة بذاتها يتداولها الناس في تواصلهم اليومي، فهناك مئات المفردات الإيمائية تحمل معاني مختلفة، يستعملها الناس في محادثاتهم للتعبير عن مواقف شعورية خاصة، لأن الكلام لا يفي بالمطلوب. وقد فَنَّدها الأديب اللغوي أبو منصور الثعالبي (961–1034 ميلادية) في فصل خاص من كتابه فقه اللغة العربية، وهي حركات صامتة بالأيدي أو الأذرع أو البَنان أو الرأس، ولكل حركة منها معنى.
أما الإيماء كفن تمثيلي، فهو تعبير بالحركة أيضًا عن حالات شعورية، يتواصل بها الممثل مع جمهور الحضور. وبما أنها عرض فني، فهي تتسم بالدقة والوضوح في إطار جمالي يُراعي التوازن في الشكل والتأليف الحركي، ويعتمد إيقاعات متناسقة في المنظر وفي الأداء.
وعليه، لا تكون الجملة في الأداء الحركي الإيمائي ترجمة لجملة مكتوبة أو محكية نُحوّلها إلى حركة، بل هي تنشأ أصلًا من إحساس، يكون التعبير عنه بحركة ينتج عنها الأثر القوي.
ولنكون أقرب لذهن القارئ، دعونا نشبّه الحركة الإيمائية بحركة الأشجار أو موج البحر في الطبيعة، التي تقول لنا أشياء وأشياء دون أن تحتاج إلى لفظة أو كلمة.وعليه، فإن الإيماء فن قائم بذاته يمكن أن يعالج أي موضوع يشعر الفنان أنه يهمّ الجمهور، فيقدّمه بلغة الإشارة والحركة المتناسقة التي تثير في المتلقي رغبة الاكتشاف والتواصل مع الفنان، وتغني بصره بجمالية في الشكل والإيقاع الحركي.ومع الممثل والمخرج المسرحي الفنان الإيمائي فائق حميصي أُجري هذا الحوار...
– تاريخ امتد لسنوات، هل من كتاب يجسّد عملك المسرحي؟
هناك كتب ودراسات متعددة ومقالات تحدّثت عن تجربتي الإيمائية، لكني شخصيًا أُفضّل القيام بندوات تطبيقية ودورات تدريبية.ففي مجلد الحركة المسرحية في لبنان من 1960 حتى 1975 تحدّثت الناقدة الفنية خالدة سعيد عن بداياتي، ثم خصص كتاب معجم المسرح العربي للدكتورة ماري إلياس والدكتورة حنان قصاب حسن، حيزًا للحديث عن تجاربي حتى سنة 2000.وفي كتاب دقّ الخشب للأستاذ جان رطل، ورد فصل خاص مع تفاصيل حول تجربتي عامة، والمواضيع والتقنيات، والأساليب التي طورتها أو ابتكرتها، وأصبحت تميّز عروضي في الميدان المحلي والعالمي.أما منهجي في تعليم الإيماء تقنيًا، فهو قيد المراجعة الفنية، وربما أُصدره في كتاب.
– البانتوميم واشتقاقات لغوية، وبالنهاية يمثل كل من قام بهذا الفن... ما رأيك؟
تعددت التسميات التي يطلقها الناس على هذا الفن. شخصيًا، أفضل التسمية العربية "فن الإيماء"، وأما من يحب استخدام التسميات الأجنبية، فعليه أن يكون ملمًا باللغة الأجنبية. وإن لم يكن يجيدها، فعليه مراجعة المعاجم أو القواميس الخاصة بمفردات المسرح.
"البانتوميم" كلمة فرنسية تعني مسرحية أو مشهدًا تمثيليًا صامتًا يؤديه ممثلون، كلٌّ منهم يُسمّى "ميم". أما "البانتومايم"، فهي كلمة إنجليزية تعني حفلة عيد الميلاد التي يتخللها تمثيل وأغانٍ وأزياء تنكرية، ولا علاقة لها بفن الإيماء.
أما استخدامها إلى جانب كلمة "مايم" أي "مايم آند بانتومايم"، فيُعيدها إلى معناها الفرنسي، أي مشهد تمثيلي صامت يُؤدى بالحركة فقط.أما العرض الإيمائي الذي يتضمن عدة مشاهد بمواضيع مختلفة، فيُسمّى "عرضًا إيمائيًا". وهذه التسميات أُقرّت في لقاء تم في باريس بين إيمائيين من مختلف بلدان العالم.
وبكل الأحوال، تنوّعت الأساليب والأشكال التي يُؤدى بها العرض الإيمائي اليوم، وتداخلت فيه فنون أخرى كالموسيقى، والرقص، والأقنعة، والديكور، بحيث أصبحت عبارة "فن الأداء الحركي أو الجسدي" هي الأقرب عمليًا.
– الفنان فائق حميصي، أين هو اليوم في زمن نحتاج فيه إلى فن صامت يداوي؟
لا أؤمن بأن الفن يداوي الحالات المرضية، خاصة في النطاق السياسي والاجتماعي.الفن يلعب دوره في التربية الخلّاقة للمجتمع، الذي عليه إيجاد الحلول لأزماته الوجودية.الفن الملتزم بقضايا الإنسانية لن يكون أقوى من الأديان السماوية التي لم تتمكن حتى الآن من إصلاح المجتمعات.
تكمن ضرورة الفن في كونه مجالًا لتنشيط قدرة الابتكار عند المتلقي، الذي عليه وحده استخدام قدراته الذهنية لحل مشاكله الاجتماعية.الفن يُفنّد العلاقات الاجتماعية الحياتية، والصراع الذي يسيطر عليها في إطار فني تحكمه مميزات جمالية.
الجمهور الذي يفهم، عند ملاحظته غيومًا سوداء في السماء، أن عليه الاحتياط لعاصفة أو أمطار قادمة، ليس بحاجة لنصيحة من أحد لفهم واقعه الاجتماعي.أقدّم ما أمكن من عروض إيمائية، وأساهم في تنشيط تعليم الفنون، ولعل أبرزها مسؤوليتي في المشروع العربي الرائد لتنمية وتطوير المسرح المدرسي، الذي أقوم بالإشراف عليه بتكليف من الهيئة العربية للمسرح.
ونحن الآن في خضم إقامة دورات تدريبية في مختلف البلدان العربية، هدفها تأطير معلمين وتدريبهم على استخدام المسرح كنشاط تربوي يهدف إلى تنمية قدرات المتعلمين على الابتكار.
– تحتشد الأحاسيس في الداخل لتخرج بدقة للجمهور فيفهمها... إلى أي مدى تساعد الخبرة، وكيف صقلتها؟
الإيماء فن تواصلي، وعلى من يودّ ممارسته أن يتعلّم ويتقن تقنياته.بالطبع، تلعب موهبة التواصل دورًا مهمًا في إنجاح وصول "البث" إلى المتلقي، لكن الموهبة باستخدام تقنيات مشوّهة لا تؤدي إلى إيصال الأحاسيس، وبالتالي إلى حسن التواصل.يحتاج الإيمائي إلى تملّك تقنيات استخدام الجسد التعبيرية، وإلى وضوح في معرفته بالموضوع الذي يعالجه، وإلى رغبة في إيصاله.وبالرغم من ما تقدّم، يظل التمثيل المقنع واستخدام مبادئ الأداء الإيمائي بشكل جيد هو المفتاح الرئيسي للنجاح.
شخصيًا، لم أكتفِ بموهبتي وحبي للتمثيل الإيمائي، بل اتجهت لدراسة هذا الفن في معاهد متخصصة منذ دراستي الجامعية حتى مستويات الدراسات العليا.
وقد عملت على ربط ما درست بالمخزون الثقافي الذي لدي، وخاصة طبيعة الحركة عندنا، وأقصد الإيماءات في المحكيّ الشفهي لدى ناس مجتمعنا.كما عملت على ربط الفن الإيمائي بفنون العرب الصامتة الأخرى، كفن العمارة والزخرفة والموسيقى الصامتة، واعتمدت خصائص هذه الفنون من حيث كونها تعتمد على تكرار صيغة الشكل في إيقاعات متنوعة متناسقة، تخضع لمزاج الفنان ورغبته في التفرد.وقد نتج عن ذلك كله أسلوب في المعالجة والأداء ارتحت له، كما لقي استحسانًا من جمهورنا.
– خيال المشاهد يساعد في التفاعل والمحاكاة الثنائية. كيف تتحكم بالمتخيَّل البصري على المسرح؟
المسرح فن اجتماعي تفاعلي، ولا يكتمل إلا بوجود عنصرين أساسيين: المؤدي والمتلقي، أي الفنان والجمهور. وحيثما التقى هذان العنصران كان المسرح.هناك حالة تجمع بين العنصرين تُسمّى "المشاركة"، وهي تتم حين يلتقط الجمهور بثّ الفنان ويرسل له إشارة بالتلقي، وهو ما نعرفه بردّ فعل الجمهور على أداء الفنان.
تكتسب المشاركة في العرض الإيمائي أهمية لكونها تعتمد على حاسة النظر بشكل أساسي، مما يمنح المتلقي فرصة اكتشاف الحالات، وتركيب الشخصيات، ووعي الحدث، من دون تدخل لعملية الإنصات، التي تُخدّر القدرة على التخيل لدى المشاهد نسبيًا.الفنان الإيمائي، الذي يُدرك أنه يطلب من الجمهور اعتماد المشاهدة فقط لإدراك مبتغاه مما يُعرض، عليه التوصل إلى ذلك بمنح متعة ذهنية للمتفرج.المتعة الذهنية تكسب المتلقي نشوة خاصة تدفعه لمتابعة العرض.
تكتمل هذه المتعة حين يتيح الفنان المجال لذلك عبر فهم رموزه التي يقدمها، أكانت في الحدث أم في التشكيل أم في الحركة وإيقاعها.كلما كانت رموز الفنان مثيرة للاهتمام، ومحفّزة لقدرات المشاهد في الملاحظة والاكتشاف والتركيز والتخيّل، كلما زادت فرص التفاعل الخلّاق بين طرفي الفعل الدرامي: المؤدي والمتلقي.
شخصيًا، أنحو منحى التفاعل المباشر مع الجمهور، ولا أستعرض القدرات التقنية لأتيح لمشاهد أعمالي فرصة المشاركة في عملية استيلاد الحالة الدرامية، وذلك عبر اختيار مواضيع من الحياة اليومية وتقديمها في أطر مبتكرة، مرجعها سهل الاستيعاب.
– من هو الفنان فائق الحميصي، وما الذي يقوله عن هذا الفن المعاصر أو المتماشي مع كل الأزمنة؟
فائق الحميصي، عامل في مجال المسرح، ومختصّ بما أحب، أي الإيماء الجسدي وكامل تنوعاته.أعتقد أن الصمت هو تعبير كامل البلاغة، وأن المفردات اللغوية المحكية والمكتوبة بدأت تفقد فائدتها ولزومها في عصر أصبحت فيه الكرة الأرضية قرية صغيرة، وستكون اللغة عائقًا كبيرًا للتواصل، نظرًا لتقدم وسائل التواصل والاتصال.
سيكون التواصل بالإشارات والأشكال هو الأكثر فاعلية في المستقبل، خاصة وأننا ننتقل إلى سبر أغوار الفضاء، وعبارات كثيرة ستتلاشى هناك، فلن نفرق بين "فوق" و"تحت" مثلًا.أما أمام ما سيتبقى على الأرض، فسنقف مشدوهين، عاجزين عن الكلام.وحده الصمت كبير وبليغ.
تم نشره عام 2017 في مرايا عمان
في رؤية تحليلية للحوار معه نكتشف
الحوار مع الفنان فائق الحميصي ليس مجرد حديث صحفي عابر، بل وثيقة ثقافية شديدة الغنى، تتقاطع فيها الأسئلة الفنية مع أسئلة الوجود، وتتفاعل ضمنها التجربة الشخصية مع الرؤية الجمالية والفلسفية لفن لا يزال مهمشًا في كثير من السياقات العربية: فن الإيماء.
يرفض الحميصي بشكل صريح مقولة "الفن يداوي"، منتصرًا لفكرة أن الفن لا يصلح المجتمعات، بل يوقظ وعيها. هذه النقطة تكشف عن رؤية عقلانية للفن تتجاوز الطوباوية الشائعة، حيث يُنظر إليه غالبًا كعلاج روحي أو "خلاص"، بينما يرى الحميصي أن الوظيفة الأساسية للفن تكمن في تحفيز التفكير النقدي وتنشيط الخيال الاجتماعي، وهي مقاربة تلتقي مع مفاهيم "التربية الجمالية" عند باحثين مثل هربرت ماركوزه وجاك رانسيير.
الحميصي، بخبرته الأكاديمية والعملية، يعيد تعريف "الإيماء" ليس فقط كفن صامت، بل كلغة توازي اللغة المحكية من حيث البنية والدلالة.حديثه عن أن الحركة ليست ترجمة لجملة بل هي ناتجة عن إحساس مباشر، يُحيلنا إلى نظريات الجسد في الأداء المسرحي، من غروتوفسكي إلى باربا، حيث يصبح الجسد مركز المعنى، لا ناقله.
"الجملة الحركية لا تُترجم، بل تُولد من الداخل"
هذه الجملة تعبّر عن تصور عضوي وأصيل للإبداع الإيمائي، بوصفه ينبع من الداخل لا من "النص"، وهو ما يعاكس التقاليد الأدبية للنص المسرحي المهيمن.
في تحليله لمصطلحات مثل "بانتومايم" و"مايم"، يرفض الحميصي استيراد الأسماء دون فهم سياقاتها الثقافية. يفضل مصطلح "الإيماء" العربي ويشترط على من يستخدم المصطلحات الغربية أن يكون ملمًا بجذورها.هنا يبدو الحميصي مقاومًا للاستلاب الثقافي، مؤمنًا بأهمية المعجم كأداة للسيادة المعرفية، دون أن ينغلق على التجارب العالمية. نقده لا ينعزل، بل يطمح إلى محلية منفتحة، لا محاكاة استهلاكية.
كما يشير إلى تجربته في صياغة منهج تقني لتعليم الإيماء، مستمد من الخصوصية الثقافية العربية. يربط بين الإيماء وفنون صامتة عربية كالمعمار والزخرفة، معتبرًا أن هذه الفنون –رغم صمتها– غنية بالإيقاع والرمز والدلالة.هذه الرؤية تمثل محاولة جادة لـبناء خطاب جمالي عربي حديث، يخرج من عباءة المركزية الأوروبية دون إنكار لها. الحميصي لا يعارض الحداثة، بل يعيد إنتاجها ضمن سياق ثقافي عربي خاص.
الفكرة الأكثر إثارة في الحوار هي رؤية الحميصي للصمت بوصفه "لغة المستقبل"، نظرًا لانهيار الحدود بين الشعوب وتطور التكنولوجيا. يتنبأ بزوال الحاجة إلى اللغة المحكية في فضاءات جديدة، ويعتبر أن الصمت هو التعبير الأبلغ في عالم ضاج بالكلمات المفرغة.
" وحده الصمت كبير وبليغ"
هذه العبارة تختزل فلسفة الحميصي الوجودية والجمالية في آن. إنها ليست فقط تقديسًا للصمت كأداة، بل كموقف إنساني في وجه فوضى الكلام وهشاشة المعاني في عصر الشبكات.
يرى أن الإيماء يستدعي تفاعلًا ذهنيًا بصريًا، لا سمعيًا، وبالتالي يفعّل طاقة المتفرج في التخييل والمشاركة. هنا يطرح مفهومًا للمسرح الإيمائي ليس كعرض موجه، بل كعملية تشاركية يشارك فيها المتفرج بصياغة المعنى.يركز على أن وظيفته ليست "إبهار" الجمهور، بل إشراكه في استيلاد الحالة الدرامية، عبر مواضيع يومية تُقدَّم في أطر مبتكرة وسهلة التلقي.
يرفض الحميصي فكرة "الفنان الفطري" أو المعتمد على الموهبة وحدها. يؤكد على أهمية التكوين التقني والدراسة الأكاديمية، في انسجام واضح مع رؤى "ستانسلافسكي" و"مايرخولد" حول الدمج بين الإلهام والتدريب.يُصرّ على أن الفن ليس فقط "عفوية"، بل صنعة وشكل وجماليات وإيقاع... وأنّ الإبداع لا يكتمل دون تأصيل معرفي وجمالي.
الحوار مع فائق الحميصي يكشف عن فنان-مفكر، لا يكتفي بالممارسة بل يؤسس لرؤية فلسفية حول فن نادر، يُنظر إليه غالبًا كفرعي أو هامشي.هو يمزج بين وعي ثقافي عميق، وتجربة ميدانية تمتد لعقود، ورغبة صادقة في بناء جماليات عربية حداثية مستقلة، تستلهم من التراث دون أن تتقوقع فيه.
هو، باختصار، صوت ناقد وسط ضجيج الأداء المجاني، ومؤمن بأن الصمت في زمن التكرار اللغوي هو أسمى أشكال البلاغة.
.
https://www.omandaily.om/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%A7/%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%AF-%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%85%D8%AA-%D9%87%D9%88-%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%BA%D8%A9-%D8%A7