القبول بنصف ما نستحق في رواية «أغويت أبي» للفلسطينية سهام أبو عواد

ضحى عبدالرؤوف المل

الغواية فن لها من المعاني ما يتركها مفتوحة نحو عدة إيحاءات منها النهي والقبول. والسماجة تأتي من وجع له ذيل السلامة المدسوس لاستكمال الفضول.

في هذا استنباط روائي يميل إلى إبراز الفروقات بين أن تلد المرأة جنينا من علاقة طبيعية، وأن تكون الولادة سفاحا، فالأمومة فن كالغواية ولا تتقنها الأمهات المغتصبات، أو اللواتي تم إكراههن على علاقة ميتة الأطراف، وبهذا تطرح الروائية الفلسطينية سهام أبو عواد في روايتها «أغويت أبي» الصادرة عن «دار دجلة ناشرون وموزعون» مبدأ الصراع منذ نشأة آدم وحواء حتى يومنا هذا، فأزلية الإغواء هي بدء ولادة البشرية بأكملها. إذ تأخذنا في روايتها إلى عمق البيئة التي تلد من يتقنون فن الصبر والقبول بنصف ما يستحقون، وعلى أكتافهم الأحمال المعتقة بأفكار المغفرة والخطيئة «كأن كفها المغفرة والفتات هو الخطيئة». وما الوجع والخطايا إلا ارتسام لأورام اجتماعية لا يمكن استئصالها، وإن تكدست في النفس أوهامها، أو بالأحرى أبخرتها الناتجة عن أفكار بيئة اجتماعية. أضرحتها البيوت وأيامها جنازات والقمر الذي عاد كالعرجون القديم بعد اغتصاب تطرحه وتوزعه على زوايا الرواية، المطرزة بلغة وصف تجمع منها باقات من مفردات بنائية، لتجميل الأسس الروائية القاتمة غالبا «سيدتان عاقرتان، وجها لوجه، تلك أنجبت لحمها، وتلك منحت للغرباء اسماء علقتها في ذاكرة الأمنيات»، فالسرد المختصر وإن أوجزت بالوصف ميزة جعلت من الرواية قطعة فنية ذات أمكنة تجعلك تتساءل أين تكون؟ وهل يوجد فعلا في الحياة «اوجينا» واحدة أم اكثر؟ وهل هن مغتصبات الحقوق أم الاجساد؟ وماذا يمثل الثقب الذي تكرر في الرواية؟ ولماذا الإصرار على فن الصبر وفن الحياة وما إلى ذلك؟

خوف وحذر في حضرة رجل ونزوح دائم في ترحال تبحث من خلاله أم كمال عن الاستقرار، وعن وسيلة للعودة من حيث أتينا، وربما في هذا الحلم العودة صورة عن المراحل الإنسانية التي ترتبط بالذاكرة، وإن بشكل استرجاعي لا يحدث إلا في الذاكرة. لأن مرور الإنسان في الحياة هو مرور يبتلع كل ما قبله كرجع من الصدى، وهذا التشاؤم الشبيه بالرصاصات الفارغة التي يحصيها الجنود، إذ تشكل كل الحكاية، وما أوجينا الفتاة التي تسير في دروب الرواية، إلا الرصاصة الفارغة المرمية بعد معركة شنتها عليها الأقدار بغرابتها القائمة على مفردات نستنكرها، ولا نتقبلها حتى روائيا لأن الابوة والأمومة أساس الحياة، ولا يمكن لغول أن يفترس الذكريات حين تصبح النفس في وساوس لانهائية وتساؤلات لا تنتهي وشكوك تجسد اللوم «بأنها ساهمت في كل ما حل بها حين لم تنتبه لتحذيرات أمها وهي تلقي عليها بالنصيحة واللوم». فالاستعارات والصور الشعرية في رواية «أغويت أبي» ساعدا في ترقيق أو تجميل الفكرة المرفوضة رفضا قاطعا اجتماعيا وإنسانيا جملة وتفصيلا. لنشعر بأن أوجينا تلوم نفسها وتشعر بأنها هي من ساعد في الإغواء أو فجّر قضية لا يمكن حتى التحدث بها، لأنها من القضايا القائمة على فتق لا يمكن إصلاحه نهائيا.

تغذي الروائية سهام أبو عودة روايتها بمساحات ضرورية من مشاهد الحياة حول أوجينا بدون أن تنسى لفترة امتدت، بناء المخيمات الراسخة في ذاكرتها الفلسطينية، لتدخل في الذاتية هنيهة زمنية في أمكنة خرجت من قوقعة أدمنتها بشكل استعارات تؤلف منها العوالم الزمنية، التي تتسم ببنية الشخوص وميولها وتركيبتها النفسية، لإعطاء النص الروائي اختلافا في الأنماط، بمعنى أن ما بين أوجينا وأم كمال فروقات عمرية جعلت لكل منهما زمنا خاصا يتعلق بما هو محكي على لسان الراوي. بنسيج يتطلب مهارة في تقسيم المقاطع وترابطها في آن، لتكون مشدودة عبر أوتاد الفكرة التي انطلقت منها سهام أبو عواد لتحقق لسردها الروائي الوصف من منظور تعكس فيه قيمة الحركة لأشياء تجمدت وباتت تحتاج لروح الحياة، وبحيوية أم كمال في مقابل جمود أوجينا، وهذا حقق دوره في بناء المشاهد عبر مكونات لجأت إليها، واتساعات حققت عدة معادلات في هذه الرواية التي جعلت من العنوان غواية. لكل حدث يبث تشويقاته من خلال فضول المعرفة المخنوقة في بيئات تعيش الحدث ولا تستطيع مفارقته ولو بعد مئات السنين.

تتمثل المحاور الأساسية للسرد في رواية «أغويت أبي» في خيوط مربوطة إنسانيا لبعضها بعضا. إلا أن غالبها يميل نحو المرأة ككائن تختلف رؤيته الصارمة للأشياء، بما يمتزج من وقائع تتراءى كتخيلات مرضية أحيانا، لأن ما لا نصدقه في الحياة نضعه بين هلالين تحت مجهر القيم الأخلاقية المرضية وبتنوع الأبعاد الداخلية لشخوص وضعتها في دائرة الوصف المتغلغل بالسرد، والمهيمن على تفاصيل تسللت إلى التنكر تحت استعارات الأسماء المكللة بحب المكان، أو الانتماء منتزعة مخاوف الحدث وقساوته.

بعض الثغرات في الرواية لم تؤثر على جمالية السرد الذي ينم عن احتضان لسمات روائية واعية في طرحها الموضوعي الهادف إلى خلق إثارة فكرية وتخيلية لواقع إغوائي يمر بالعديد من تفاصيل الحيوات التي نعيشها، عبر أزمنة متعددة في مكان واحد، وإن تنقلنا بين طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة، إذ ترصد سهام أبو عواد حركة شخوصها وكل ما يعكس رونق البيئة التي تعيش فيها ضمن نموذج قساوة الحياة على المرأة تحديدا في مختلف الأحداث المؤثرة عليها، وباستدارات لفعتها بصرامة الأفعال والاستعارات، وكل ما يعكس بواطن المفردات التي فرضتها على عالمها الروائي محاولة تصوير الحالة للتقرب إلى القارئ من خلال نظرة الشخصية وفلسفتها في الحياة بتقنية الانتقال من الكل إلى الجزء. لنصل إلى بداية الرواية في النهاية بجوانبها القائمة على المشاعر والأحاسيس. ليتقرب القارئ بالشخصية وجدانيا، فيتعاطف مع قضاياها وعمقها الانطوائي المقاوم للخروج المفروض لاستكمال الحياة، وإن عبر سيكولوجية داخلية مارستها لكشف خفايا العنوان المتجذر في الكثير من التفاصيل التي تتضمن تجاربنا في الحياة. لأن العنوان يوحي بالمحارم والجرائم المرتكبة، الا أنه في الداخل الروائي متشعب إلى عدة إيحاءات ومنها اختلاف الطبائع، واختلاف الإغواء من آدم وحواء والعلاقات المتصارعة، وصولا إلى الأوطان وما تتعرض له من اغتصابات متكررة عبر التاريخ.

غوص في إسقاطات الأسماء، وما الأرحام إلا العمق الذي خرجت منه قضية الاغتصاب بكل معانيه المقززة، وإن بدا ذلك في العنوان، إلا أن المضمون الروائي هو منطق شديد الحبكة والحلكة، ومخيف حتى لمجرد التفكير فيه، مبتعدة سهام أبو عواد عن الإسفاف والمبالغة، متمسكة بلغة أدبية مصقولة من حيث القضية الكبرى التي تضعها في غرفة الإنعاش الزمنية. لكي تستمر مدى الحياة ولتكون في عدة أمكنة تولد فيها أم كمال وأوجينا والانسلاخ عن الروح التي تاهت في الأرحام. فهل تلد المرأة ابناء الحياة لتعزز بذلك ارتخاء الحبل السري الذي يقطع بقسوة أثناء الولادة؟ وهل العنوان «أغويت أبي» المقزز للكثير من القراء يحمل في طياته عدة قضايا إنسانية؟

https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%88%D9%84-%D8%A8%D9%86%D8%B5%D9%81-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%BA%D9%88%D9%8A%D8%AA/