اميلي نصر الله سنديانة الأدب على أرض لبنان
ضحى عبدالرؤوف المل
أطلت شمس الأدب من بين أحرف «إميلي نصرالله» على هضاب غادرتها طيور أيلول، مع شمسٍ لن تغيب، لأنها أشرقت وتغلغل ضوؤها في أرض الفكر التي أثمرت سنديانة الأدب على أرض لبنان، الذي غمرته «إميلي نصرالله» بالمعرفة والجمال، والتعبير والتخييل، من القصة فالرواية، والكثير الكثير من الكلمة الطيبة التي أثمرت وأينعت ومنحت القلوب عطرها، ومن أبجدية تكوّنت، وقريحة تفتّحت، وتحسّس وجداني صاغت منه الصور البلاغية الممهورة بالطبيعة اللبنانية وتراثها، دون أن تنسى الفضائل والمُثُل المشبعة بتشكيل لمسارات الحياة التي حاولت الأديبة «إميلي نصرالله» تصويبها نحو الخير والجمال، دون أن يترنح القلم تحت وطأة الحروب التي مرّت على لبنان.
فكانت «إقلاع عكس الزمن» وشموخًا أدبيًا من خلالها، كسنديانة مدّت جذورها بثبات في الأرض التي حملت بين كفيها ترابها، ولم تترنّح مع الأحداث، بل مدّت أجنحتها نحو الخيال، بغنى فكري زاد من ثروتها الأدبية، لتحقق وجودًا كيانيًا لا تزعزعه أعاصير الحداثة التي أصابت الثقافة والأدب، بجمال السرد والتعبير. فقد ناضلت لتكوين صورة أدبية تعكس مكانة الأدب، وعراقة الكلمة، وطيب الفكر الذي ترعرع في قرية الكفير جنوب لبنان.
تستيقظ في أخيلتها المرأة، فتخوض شعابها المرجانية عبر الكثير من المؤلفات، دون أن تفتر المفردات في أتون اللغة التي تخضّبت بألوان الحياة، وبتجدد فكري ترافقه هالة من المعرفة الإنسانية بالمشاكل الاجتماعية التي تنطوي على حكاياتٍ وحكايات، استخرجتها «إميلي نصرالله» من بئر الحياة، لتروي بها ظمأ الأجيال العطشى، لمعرفة المجتمع اللبناني من الماضي إلى الحاضر، دون أن تفارق البساطة والجمال.
لتؤطّر رواياتها بنوازع النفس المتسربلة بالفضيلة والنقاء. لتقويمٍ يتغنّى بوصف وجداني تستمتع النفس بتذوق معانيه المغمسة بإيقاع يتنامى مع نصوصها المفتوحة نحو لُجّ الحياة، وغصّة الموت، والرحيل، والوجود المتدثّر بالأسرار.
فتحتدم مواضيع القصص مع الأحداث الروائية، قبل أن تستوقفنا قصص الأطفال التي تكتنز الفكرة الرشيقة المصقولة بالرمز والإيجاز.
لتصل إلى فكر وخيال الطفل، بمتعة الانفتاح على العالم، وبأدب الطفولة المتدفّق من ذهنٍ يغص بعصف الذاكرة، التي استخرجت منها جوهر البراءة والطفولة.
فهل تغلغلت جذور «إميلي نصرالله» في نفوس ترعرعت على جمال كلماتها التي رافقت الأجيال وهي تنمو في بساتين ظلّلتها سنديانة لبنان؟
حرقة الفراق تنفّست في طيور أيلول، وبساطة اللغة فرشت ربيعها في قصص الأطفال، والسرد الروائي بنى قِلاعه في روايات ذات خصائص موضوعية عديدة، لتُدغدغ القارئ بالرؤيا التي أحكمت صياغتها، كدررٍ علّقتها بخيوط العناوين لمؤلفات ستحيا مع كل جيل، سترافقه «إميلي نصرالله» عبر كلمتها، ووداعة مواضيعها، بل! وحبكتها الأدبية التي نسجتها من هموم الإنسان، ومن بيئته، ومتاعبه، وهمومه، وحقوقه، وحتى أفراحه وأتراحه، وهزله وجدّه، وعِلمه وتربيته، دون تَضَجُّر من القلم الذي سعى إلى منح «إميلي نصرالله» قوة البقاء، ومتعة الوجود، بخلق العوالم الواسعة التي تتحدى الضيق، وتتخطى الحدود، وبتقاطع مع الموت والحياة، وحتى نفي الرحيل من خلال العودة، والبقاء متربعة في كتبها، كسنديانةٍ تربّعت على أرضٍ تفتخر بأديبةٍ منحت الإنسانية قطافها الأدبي.
تختلج المشاعر لوداع فكرٍ أثمر من الأدب كنوزًا ستبقى بين أيدي عشّاق الحياة، المضيئة بفكر امرأة تركت أثرها الجمالي كشمسٍ تُشرق على هضاب لبنان مع كل صباح، فتنفتح نوافذ قرى الجنوب، ومعها أبواب المعرفة. لتزدان بصحوة أدبية كلّلت حياة الأديبة «إميلي نصرالله» التي امتشقت الأعالي، وسكنت صدور أصحاب القلم وأحلام الأطفال، وبأشكالٍ تعبيرية شتّى من مؤلفاتٍ مرصعة بالإبداع، وبذهولٍ يُثير دهشة البقاء، حين غادرت الحياة «إميلي نصرالله» جسدًا، وبقي الفكر يشع مع ضوء كل نهار ينبثق على أرض لبنان.
تم نشره عام 2018 في جريدة اللواء لبنان
ضحى عبد الرؤوف المل
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86/