حميمية الإيقاعات المنسابة من ريشة ترسم الجماد وأخرى ترسم الحياة
ضحى عبدالرؤوف المل
تبرز الطبيعة الصامتة في التفاصيل الفنية لأعمال كل من “ماري سنودن” (Mary Snowden) و”ميشال بيك” (Michael Beack) من خلال التعبير اللوني، كنوع من الظل المخفي والصامت أو الساكن، المستند على إظهار فروقات الألوان وتدرجات الضوء لتثبيت لحظة الإدراك الفني لعناصر تشكيلية هي ظاهرة التوسط الضوئي في فترات الرسم التي تصقل الرؤية، وتمنحها السكون الجمالي للأشياء التي ترسمها “ماري سنودن” ويهتم لها “ميشال بيك” وفق استراتيجيات السرد اللوني المكافئ للظل، والمانح للتفاصيل قوة بصرية ذات علاقة وثيقة بالتمثيل النموذجي للمعنى التأملي، ووظيفة لغة التشكيل في الفن الانطباعي أو الطبيعة الصامتة والمفاهيم الفنية المرتبطة بها من حيث التكوين الهادئ والتكثيف في التفاصيل.وهذا ما تختلف به “ماري سنودن” عن “ميشال بيك”، أي بين مبدأ التكوين ومبدأ التكثيف؛ تهتم سنودن بالتأليف.
يهتم “ميشال بيك” بالظل الحي الذي يغمر طبيعة لوحاته الصامتة من أجل إظهار الأسس التكوينية للأشكال والمعنى البصري للون، من أجل التأثير على التخيلات والتفاعلات المحفزة للتغيير الساكن أو المتحرك، وحتى الدمج بينهما ضمن الأطر الطبيعية للأشياء الجامدة والمتحركة، لخلق إيقاعات بصرية تحقق التوليف الحسي لكل ما هو انطباعي أو لكل ما هو ساكن أو متحرك في الطبيعة أو ما حولنا. لإيجاد انعكاسات أبعد من حدود الشكل لإثارة التناقضات البصرية، ولإستفزاز الحواس وإجبارها على الهدوء والتأمل، خاصة في تقارب الألوان الحارة وتنافر الألوان الباردة، مما يشكل ثنائية تشكيلية تعتمد على معايير محددة في مزج الألوان التي تستقطب الضوء وتجعله كالظل الذي يحيا بين الطبيعة الصامتة في لوحات كل من “ماري سنودن” و”ميشال بيك”.
لغة اللون في لوحات ماري وميشال هي لغة التناقض الفني بين اللون والظل، والتعبير الصامت الذي يلعب دوره في لوحات ذات مضامين تتخذ الأبعاد الضوئية فيها بيئة فنية تتحد فيها مسارات الخطوط، وإن باختلاف ظاهري بين لوحات ماري وميشال، إلا أن ما يجمعهما هو المساحة وفروقاتها الجمالية من حيث الاتساع في الزوايا والأطراف، وباختلافات بين الأسلوبين من حيث الخطوط وقدرتها على نسج الأشكال البسيطة والمعقدة، وبتشابه وتماثل لتراكم إيقاعات الألوان في الزهور والنباتات، واسقاطات الظل عليها لتتآلف بصريًا مع الأشكال الساكنة أو الصامتة، ومع الحركة أيضًا بنسبة ضئيلة.
إذا فصلنا الألوان عن بعضها البعض وحددنا الباردة والحارة بمعنى نسبة ضوضاء الألوان، وإيحاءاتها قياسًا على الألوان الأخرى المخفية بصريًا رغم وجودها، وهو صمت لأصوات الألوان التي تعادل الفراغات وما تحتويه المساحات من تعبيرات تشكيلية ذات موضوعية فنية هي مجرد لغة بصرية لألوان لها ألفاظها الضوئية الخاصة.
لفهم طبيعة لوحات “ماري سنودن” و”ميشال بيك” يجب فهم الصيغة الضوئية التي يلتزم بها كل منهما، والمتشابهة نوعًا ما في إحياء الجماد بالضوء، وفيزيائية الظل داخل اللون دون تقليد للطبيعة، وإنما باجتزاء المشهد الحسي الذي يمكننا تأليفه تبعًا للحس الفني الذي يتمتع به كل منهما.
وما العناصر التي تتشكل منها اللوحة إلا الموضوع أو الفكرة التي تشكل طبيعة تشكيلية مستقلة، وظيفتها معرفتها لمعايير الألوان والنسب الضوئية التي يمكن رؤيتها من خلال الشفافية الضوئية وتدرجاتها بتأمل وانعكاس داخلي بين التكاثر والفراغ أو الإدراك الطبيعي المحفز لاستكشاف الحياة الساكنة في لوحات تثير الصمت والتأمل في المتلقي، وضمن مساحات متعددة تسمح بالربط بين العلاقات بين السكون والحركة والجماد أو الأشياء والنبات أو الزهور.
لتخليد التساؤلات بين السكون الطبيعي والسكون التقليدي، وانتظار الضوء للرسم أو مفارقة الضوء في الرسم، وحميمية الإيقاعات المنسابة من ريشة ترسم الجماد وأخرى ترسم الحياة.
أعمال الفنانة “ماري سنودن”( mary snowden ) والفنان “ميشال بيك” (Michael Beack) من مجموعة متحف فرحات Farahat Art Muesum))
http://claudeabouchacra.com/?p=43560