لماذا فازت {صلاة القلق} بالبوكر ولم تفز {دانشمند}؟
ضحى عبدالرؤوف المل
في عالم الرواية العربيَّة المعاصرة، حيث لا يزال الأدب يتسلق الجبال الكثيفة من الواقع الاجتماعي والسياسي والوجودي، تبرز "صلاة القلق" لمحمد سمير ندا و"دانشمند" لأحمد فال الدين كعملين يمثلان وجهين مختلفين للعمل الأدبي الذي يحاول فهم الهويات المعذبة، والجماعات الممزقة، والنفس البشريَّة المكلومة. لكنَّ السؤال الذي يطرحُ نفسه وبشدة هنا هو: لماذا فازت "صلاة القلق" بجائزة البوكر، بينما بقيت "دانشمند" بعيدة عن دائرة الاحتفاء النقدي الكبير؟
هذه المقارنة ليست مجرد محاولة لتقييم العملين وفق معايير الجائزة، بل هي مسعى لفهم القوة الفائقة التي تتمتع بها الرمزيَّة والتوتر الوجودي في الأدب، فضلاً عن تأثير الوعي الجمعي الذي يطرحه كلٌّ من الكاتب والنص. وهنا يتداخل الأدب مع السياسة، مع الفلسفة، ومع ما يمكن أنْ نسميه: "أدوات الكارثة". فكيف تغذي الرمزيَّة الوجوديَّة المدمرة شهيَّة الجائزة؟
لنكن صرحاء: "صلاة القلق" هي رواية لا تصنع لك السلام النفسي. إنَّها رواية للتفجير الداخلي. ندا لا يكتب لجعلنا نرتاح أو نتنفس، بل ليجعلنا مشتتين، مغتربين داخل عقول شخصياته، لا نتعرف عليها إلا بعد أنْ نتوه في طوفانٍ من الرماد الرمزي والكلمات التي تحترق في نيران القلق الوجودي. وعلى الرغم من ذلك، تمكنت الرواية من احتلال المساحة التي تستحقها في قلوب النقاد والجمهور على حدٍ سواء.
الرواية تصطدم بحقيقة أننا نعيش في زمنٍ تتلاشى فيه المسافات بين ما هو روحيٌ وما هو دنيوي، بين المقدس والمادي، وبين الوعي المشرق والحقيقة الكامنة خلف الستائر الممزقة للواقع. شخصيَّة الشيخ أيوب، التي تجد نفسها محاصرة بين خرافات الماضي وقلق الحاضر، تصبح تجسيدًا للكارثة الثقافيَّة التي تدمرُ الذات الإنسانيَّة. لكنْ ما يميز "صلاة القلق" هو أنها لا تقتصر على تقديم هذه الشخصيات كضحايا، بل تستخرج القلق كأداة للتدمير الروحي والسياسي والاجتماعي. إنها تقترح أنَّ القلق ليس مجرد إحساسٍ داخلي، بل هو مرضٌ اجتماعيٌّ مستشرٍ يؤثر في الجماعة والمجتمع، وكأنَّ الرواية تقول لنا: "إننا جميعًا نعيش في حالة الانتظار اللامتناهية لما لا يُمكن أنْ يحدث أبدًا."
ومع الأسف، هناك نوعٌ من التواطؤ الجماعي الذي يعكسه هذا الصمت المطبق في الرواية، ما يجعل "صلاة القلق" تتفوقُ على غيرها؛ لأنَّها تمثل بشكلٍ شعبيٍ وواقعي "الحالة العربيَّة العميقة" بين هلالين حالياً في هذا الزمن هذه الحالة التي لا تتحملها الشخصيَّة الفرديَّة، فتُجبَر على الانعزال أو الاختباء في أكاذيبها، من ذلك التشويه الذي يطال رمزيَّة الزعيم مثل تمثال عبد الناصر الذي ينشطر إلى نصفين، كناية عن الزعيم الذي أصبح مجرد طوطمٍ بلا روح، لا يشكل من ذلك التاريخ أي مغزى سوى الخوف والصمت. وربما في هذا ظلمٌ على الماضي؛ لأنَّه يُعاش في رواية حفرت بعمقٍ في الذاكرة البشريَّة.
فترة جمال عبد الناصر آنذاك تعدُّ من أبرز فترات التاريخ العربي الحديث، وخاصة في سياق القوميَّة العربيَّة. في الواقع، يُطلق عليها في كثيرٍ من الأحيان "الفترة القوميَّة اللامعة" أو "العصر الذهبي للقوميَّة العربيَّة"، خاصة خلال الخمسينيات والستينيات. فعبد الناصر كان رمزًا لحركة القوميَّة العربيَّة، إذ سعى إلى تحقيق الوحدة العربيَّة وتأسيس نظامٍ اشتراكي يتناغمُ مع طموحات الشعوب العربيَّة في التحرر من الاستعمار ومن الهيمنة الغربيَّة. في عهده، كانت هناك مشاريع اقتصاديَّة ضخمة مثل السد العالي في مصر وبرامج إصلاح زراعي، فضلاً عن حملاتٍ سياسيَّة تؤكد على الوحدة العربيَّة والعدالة الاجتماعيَّة. لكنْ مع مرور الوقت، بدأت بعض هذه الطموحات تواجه صعوباتٍ ومشكلاتٍ داخليَّة وخارجيَّة، كما حدث مع الهزيمة في حرب 1967. رغم ذلك، يبقى جمال عبد الناصر رمزًا من رموز القوميَّة العربيَّة، ولا شك أنَّ فترة حكمه تميزت بالكثير من التوترات السياسيَّة والإصلاحات الاجتماعيَّة، التي شكلت انعكاسًا لما كان يأمل به العديد من الشعوب العربيَّة في ذلك الوقت.
فماذا عن "دانشمند": الفلسفة الفرديَّة أم العجز الثقافي؟
في المقابل، نجد "دانشمند" تسير في اتجاهٍ مغايرٍ تمامًا، لا سيما في منحاها الفلسفي الصارم. هي رواية تضع بين يدي القارئ حالة إنسانيَّة مفككة، لكنَّها معقدة للغاية في طرحها. دانشمند ليس مجرد "فيلسوف متشائم"، هو في الواقع صورة للمثقف الذي أضاعَ نفسه في محاولات التفكير الجادة عن هويته. نراه في جولة مستمرة من البحث عن المعنى وسط أسئلة وجوديَّة وحيرة عقليَّة، محاصرًا في مفارقة فلسفيَّة تطمحُ إلى الإجابة عن قضايا كبيرة مثل الحريَّة، والوجود، والموت.
الرواية تقفُ عند عتبة الفردانيَّة الوجوديَّة، التي تحملُ الشخصيات إلى ما يشبه الضياع العقلي الميتافيزيقي. لكنَّها، في ذات الوقت، لا تنجحُ في التحليق خارج الحدود الخاصَّة بالفكر الفردي. القارئ يشعر أنَّ "دانشمند" يظلُّ محبوسًا في سجن العقل الذي لا يستطيع التخلص منه، بعكس "صلاة القلق" التي تطرحُ القلق كظاهرة اجتماعيَّة تشملُ الجميع، لا تنحصر في عقلٍ واحد. يمكننا أنْ نعدَّ "دانشمند" تجربة فكريَّة مغلقة، بينما "صلاة القلق" تفتح أمامنا نوافذ إلى متاهاتٍ أوسع وأكثر جماعيَّة، فنعيش القلق مع الجماعة، لا داخل عقل فردٍ معزول.
ما يجعل "دانشمند" يبدو أحيانًا عاجزًا عن الوصول إلى الجماهيريَّة هو الغموض العقلي العميق الذي يتعاملُ معه. نحن مع دانشمند في محاولات فكريَّة مستمرة تتخللها نقاشاتٌ فلسفيَّة لا تنتهي، لكننا لا نتمكن من الوصول إلى أي "حل" ملموس. الفكر هنا يتسلل إلى عالمه الخاص من دون محاولة للانفتاح على الدوائر الثقافيَّة الأوسع. لماذا فازت "صلاة القلق" بالبوكر ولم تفز "دانشمند"؟
الجواب الأكثر بساطة، ربما يكون في الجماعيَّة مقابل الفرديَّة. على الرغم من أنَّ "دانشمند" تعدُّ عملًا أدبيًا ذا قيمة فلسفيَّة عالية جدًا، إلا أنَّها فقدت القدرة على الاقتراب من الواقع الجماعي. حينما تكشف عن الوجود الفردي المعذب، يبدو لنا القارئ كأننا في معزلٍ عن قضيَّة أكبر من تلك التي يناقشها النصُّ، ألا وهي قضيَّة الإنسان والمجتمع.
أما "صلاة القلق"، فتمكنت من الاتصال بكلّ جزءٍ من المجتمع العربي، حيث تقدم رواية جماعيَّة تقف في مواجهة فكرة الهويَّة الكاملة المفقودة، وهي حالة مفهومة بعمقٍ من القرّاء الذين يجدون أنفسهم في هذا الطوفان الرمزي الممزق. تطرحُ الرواية لنا معضلة التاريخ المكسور: هل نحن على استعداد أنْ نعيشَ مع القلق من دون أنْ نحاولَ أنْ نثورَ ضدَّ الآلام التي فرضتها علينا القوى السياسيَّة والدينيَّة؟
لكنَّ الجائزة لا تمنح فقط للعمل الأدبي الرفيع من حيث الشكل والموضوع، بل تُمنح للنص الذي يفتح أبواب الجدل الاجتماعي والسياسي، الذي يحتلًّ الأفق الثقافي. "صلاة القلق" تسيرُ في هذا الاتجاه بقوة، إذ تطرح أسئلة جادة عن مستقبل العالم العربي في ظلّ القلق الجمعي والعقلي الذي يشلُّ الجميع. فهل الأدب أداة كارثيَّة أو أداة انتصار؟
"صلاة القلق" و"دانشمند" هما وجهان لعملة واحدة: القلق العربي في زمن ما بعد الكارثة. لكنْ لا يمكننا أنْ ننكرَ أنَّ القلق الذي يطرحه ندا في روايته هو أكثر عمقًا، بل وأكثر قدرة على إشعال الفوضى الثقافيَّة. بينما يظل الفال يتأرجح بين الفكر الفردي والتساؤلات الفلسفيَّة الجافة. لكنها للاهتمام بنشأة العقول مستقبلاً.
عندما فازت "صلاة القلق" بالبوكر، كانت النتيجة ببساطة تعبيرًا عن احتياج الأدب العربي إلى تمثيل قلقٍ جماعيٍ عالميٍ رغم اعتراضي على الاستبطان السياسي الذي يتعارض مع الفترة القوميَّة العربيَّة آنذاك وتوهجها بغض النظر عن محاكمة الحاضر للماضي. أما "دانشمند"، ورغم جمالاتها الفكريَّة، فإنَّه يقدم لنا مادة فكريَّة قد تكون شديدة الخصوصيَّة لكنها تغرقُ في ذاتيَّة عالية تجعل من الصعب أنْ تلتقطها عيون العالم. ورغم أنه أضاء على كيفيَّة تربية العقول المنيرة للإنسانيَّة بمعنى آخر، كيف ننشئ جيلاً رشيقاً عقلياً.
2025/05/21
نُشر في جريدة الصباح
https://alsabaah.iq/114901-.html