ترتيب الحروف مع الرمزية المخفية للمعنى وطريقة إخراج اللوحة،\

ضحى عبدالرؤوف المل

تتفوق الأناقة التصميمية في معرض الفنانة "خلود القصيبي"، الذي أُقيم في "بيت الفن" بميناء طرابلس، على جمالية القراءة للحرف المشغول بدقة حرفية، وتقنية ذات أشكال متعددة على مدار كافة الخطوط في أعمالها، من الرسالة النبوية بالخط الحجازي السنبلي، مع نسخة من الرسالة النبوية إلى المقوقس عظيم القبط على ورق البردى، في إطار من الخشب المحفور والصدف، وصولًا إلى البسملة الطولونية بخط مصري من الفترة الطولونية، مع تاجين قديمين من الصدف.

لندرك أن هذه الأعمال التي توزعت في معرضها تترافق مع تصميمات تعود بنا إلى العصور الإسلامية القديمة، وتراثيات تأثرت بالكثير من مفاهيم الأماكن التي تواجد فيها الإسلام، كالإضافات للوحاتها مثل التيجان من الصدف والخشب، وريش الطاووس والهدهد، والآلات الموسيقية القديمة، والبلاط القديم، وما إلى ذلك. إذ تضيف إلى الخط العربي نكهات أندلسية وطولونية وأشياء متعددة، ليشعر المتلقي أنه في متحف إسلامي قديم يضم لوحات من قصور الأندلس أو قرطبة، وعبر العديد من أنماط الخطوط المتنوعة التي تتخذ عدة أشكال، وفق الدعامات المؤسسة لاستخدام الخط ونوعيته، في صقل الأسلوب الفني المنمق والأنيق، وترتيب الحروف مع الرمزية المخفية للمعنى وطريقة إخراج اللوحة.

زخرفات إسلامية تمجد الحرف العربي وتراثياته في دمج الأطر الزخرفية ونوعيتها القديمة، لإحياء الفنون الإسلامية وتطويرها بصريًا بين الشكل والمادة، أو روحية الحرف والكلمة، وما يتناسق معها من تراثيات هي مركبات جمالية تُضفي روحية الشرق والمعنى القرآني المكتمل، مع الأدوات التي تُضفي ذوقًا مختلفًا، إضافة إلى امتداد الآيات القرآنية بشكل حسي مع المستطيل أو المربع أو الفراغات المتناسقة مع نوعية الخط، وحضوره الإسلامي الذي يُضفي جمالية عربية أكملتها "خلود القصيبي" بالأندلسيات، وإيقاعات من كلمات "رفيق خوري" بالخط الحجازي المزخرف، في إطار من الخشب الحديث مع مشربيات ومنمنمات قديمة، وبقياسات كبيرة فرضت الطابع الجمالي الذي اتخذ من الحرف العربي خاصية فنية متزينة بهندسيات تجمع الأساليب مع النفحة الشرقية للحرف العربي، وقدرته على ابتكارات متعددة تنبثق منه وتمنح المتلقي موسيقى بصرية خاصة.

أعمال أشبه بالمخطوطات والرسائل، مضافة إليها الخطوط التي تلتصق بدقة، بما يتم تضمينه في اللوحة كاملة، لتُسلّط "خلود القصيبي" الضوء على التراثيات العربية، أو بالأحرى الشرقية، وأهميتها في إبراز جمالية الفن الإسلامي الذي يجمع بين الخط والتراثيات، وتطورات اللوحة الإسلامية القديمة خلال العصور، وعلامات التأثيرات التراثية على الزخرفات المستخدمة في لوحاتها المنمقة، والتي تُشكّل المدخل الفخم للحروف العربية المحصنة بهندسياتها الخاصة، ومسمياتها التي حافظت عليها القصيبي كسلالة خطوط من تربة عربية غنية بالرسومات المتشكلة بأدق المقاييس الفنية، المصممة لتتواكب مع تراثياتها بشكل ذي مقام بصري شرقي، مطعّم بنفحة البلدان التي بسط الإسلام سلطته عليها، فتأثرت فنونها بذلك، حتى اللوحة المأخوذة عن مزار قديم بالهند، وكأنها أقدم بقايا الحضارة الإسلامية الشاهدة على وصولها إلى مناطق كثيرة في العالم، أو كأن "خلود القصيبي" تروي حكاية تراثيات الفن العربي بشكل عام وارتباطه بالخط والآيات القرآنية.

قدمت الفنانة "خلود القصيبي" الفن المتجذر بشكل جزئي في التراث، الملتزم بفلسفة الفن الإسلامي المشترك فيه عدة خصائص جمالية، أضافتها القصيبي في كيان كل لوحة، مطعّمة بالأشكال التي تعكس قيمة هذه التراثيات المرضية للحواس، والتي تجعلنا نستكشف قيمة الخط العربي في نشر ثقافات فنية سادت الكثير من البلدان منذ العصور القديمة وحتى الآن، خاصة في جولة شرقية على الفنون الإسلامية وابتكاراتها التراثية العربية، في "بيت الفن"، ميناء طرابلس.

معرض الفنانة "خلود القصيبي" في "بيت الفن" – ميناء طرابلس – نيسان 2018

ضحى عبد الرؤوف المل

تم نشره في نيسان 2018 في جريدة اللواء

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D9%84%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%A8%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D8%B2%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D9%81%D9%8A%D8%A9/