دورة حياة ووجود واحدة

ضحى عبد الرؤوف المل

وضع الدكتور علي نعمة قوى متعددة الاتجاهات في كتابه الديمقراطية التعبيرية بين المفهومين القومي والإسلامي، الصادر عن دار فواصل، والذي يجمع فيه الكثير من الأفكار المؤدية إلى تعبيرات مثقلة بالخبرات والنظريات، والمفاهيم التي تقود إلى الرقي الاجتماعي قبل السياسي، إضافة إلى التعاطي الاجتماعي والاهتمام المتزايد بالنظريات المشددة على إتقان فكرة الديمقراطية التعبيرية، واستنادها إلى النهج القائم على سلسلة من النظريات.

لا أعرف حقيقة مدى تطبيقها في البلدان، إلا أنها تحمل مثالية متشددة تؤدي إلى ما يشبه المدينة الاجتماعية والسياسية الفاضلة، ذات الصلة بالمبادئ والنظم الدقيقة المفيدة في تطوير السياسات العامة أو الأمم. وإن كانت الأفكار في كتاب الدكتور علي نعمة هي نوع من شبكات متصلة بعلاقات تدعم بعضها البعض، وتسهم في تحقيق الديمقراطية التعبيرية، وبمميزات تتمتع بنظريات متلائمة مع التطلعات والشروط المدمجة بالمتحد الاجتماعي، الذي يضمهم وطبيعته وتضبط تطوره نحو تشكّل السلطة فيه وبناء النظام الاجتماعي السياسي الخاص به، وسيطرة هذا النظام على كافة شؤون الحياة والعيش في المتحد.

مما يسمح بدمج الأفكار لاستنتاجات تشكل مضمونًا حقيقيًا للديمقراطية التعبيرية، دون النظر إلى المفهومين القومي والإسلامي حيث تبناهما في كتابه، ليحدد المفهومين من خلال الديمقراطية التعبيرية. وفي هذا نوع من التخصيص الذي يؤدي إلى تحجيم الفكرة الغنية التي استعرضها بتأنٍّ ملموس يؤدي إلى تحسين الإمكانيات لمحو المخاوف من المواقف الاجتماعية والسياسية معًا.

ربما يقول البعض إن الكتاب محمل بالأدبيات السياسية والاجتماعية، إلا أنه يجلو البصر ويضع الفكر أمام المثل التي تتيح مجموعة اقتراحات يمكن تحديثها بشكل متلاحق إن تم تطبيقها، بهدف تحسين الأمم أو المجتمعات التي غلبت عليها المخاوف.ليوفّر الدكتور علي نعمة في كتابه أولويات تتمتع بإمكانيات التنفيذ إن تم إدراجها، لتحقيق الكثير من الأهداف التي يشير إليها إنسانيًا من خلال التفاعل الإيجابي بين المكونات الاجتماعية البشرية، وإن أظهر أيضًا الوعي الذاتي للعيش دون احتراب:

"إذا غلب التفاعل الإيجابي انصهر المجتمع وتوحدت الأمة. وإذا غلب التفاعل السلبي تمزق المجتمع وانتهت السلطة بالتفكك إيذانًا بدورة جديدة من الصراع، وتمهيدًا لنشوء دول وأمم أخرى"،ليمهّد لاحقًا لدورة حياة ووجود واحدة. فهل يمكن هذا في الحياة التي تحمل في ثناياها الأضداد؟ وما من مثلٍ في مدينة اجتماعية وسياسية فاضلة مبنية على نظريات يصعب التكهّن بنجاحها أو فشلها، وإن حملت عنوانًا "الديمقراطية التعبيرية"، وبين مزدوجين أسمح لنفسي وضعهما في المفهومين القومي والإسلامي.

لأن التحرر في كتاب الدكتور علي نعمة هو المنهج الذي يسير على الوعي الذاتي من خلال المتحد الاجتماعي الذي يشدد عليه، ووضع له الأسس والمبادئ والنظام، أو "الوعاء الفكري الكبير الذي يسع ويجمع ماضي الأمة وحاضرها".

وسؤالي هنا: ماذا عن مستقبلها بعد كل هذا الفكر المتقن والمدوّزن، أو البناء الاجتماعي والسياسي في الكتاب؟ ونحن أمة تتخبط في الحروب، وباتت ثقافتها على المحك إن لم أقل يتم تدميرها تدريجيًا لتمحى من الذاكرة:

"إذا فسد شريط الذاكرة الكبير الذي تقوم عليه الشخصية الثقافية الخاصة المميزة للأمة، وتسربت إليها ثقافات ومفاهيم وقيم وأخلاط وسموم من الأمم الأخرى... وإذا فسدت هذه الشخصية الثقافية الخاصة المميزة للأمة، فسدت معها قاعدة انطلاق العصبية القومية، أي ما نسميه الهوية الاجتماعية السياسية لأي أمة أو شعب أو قوم أو متحد أو مكون اجتماعي".

فما هي اللغة بعد ذلك؟ وما الذي يسعى إليه في كتاب هو مكوّن لمجتمعات تشترك في حالة سياسية أو سمات صنّفها بشكل دقيق وبدرجات متفاوتة، وإن وضع في رأس الهرم أو سلّم الأولويات: اللغة.

"اللغة هي باب الصعود والارتقاء الخطير الذي ينهض بالأمة ويحصن وحدتها ويؤجج عصبيتها، وهو أيضًا سلّم الانحدار الخطير الذي قد تهوي إليه الأمة وتفقد به وحدتها وعصبيتها وشكيمتها". فما هي نتائج الديمقراطية التعبيرية إن تم تنفيذ ما جاء فيها عمليًا؟

إن القوة الإعلامية والقوة الثقافية من أهم القوى في كتاب الديمقراطية التعبيرية، الذي استنفد كل النظريات في السلطة وأنواعها أو سماتها، وفي خصائص وأنواع الكيان السياسي وعلاقة مكوناته بالسلطة، ومن ضمنها ضعف العصبية المنتجة للسلطة، وهي:

"حالة تماهٍ ذهنية وجماعية وفردية مشتركة، نفسية وعقلية معًا، تجمع بين الكبير والصغير وتضمهما في بوتقة التماهي والشعور الواحد بالمصير الواحد، هي حصيلة العاطفة والعقل، والوعي والإدراك، والمعرفة والعلم، والتربية والعادة، والطبع والرصد والترقب، والحلم والواقع والطموح... وصولًا إلى التخطيط والتنفيذ".

إن السلطة في كتاب الدكتور علي نعمة هي جزء من التكوين الحضاري الذي يضع سلبياته وإيجابياته تحت المجهر المكبّر بعدسات توضّح المضمون وتناقشه، وتُظهر كل ما من شأنه أن يعيق الديمقراطية التعبيرية، حتى ليتساءل القارئ:

هل يضع الدكتور علي نعمة السياسات الفاضلة في كتاب هو دولة قائمة بحد ذاتها نظريًا؟ وما هو الانتماء والمعتقد والعصبية وشكل العلاقات المتنافرة في الفصل الثاني، الذي يجعلنا نقف أمام الأنظمة الفكرية وجهًا لوجه؟

يحاول الدكتور علي نعمة الإحاطة بموضوع الديمقراطية التعبيرية، وباعتراف ضمني أنه لا يمكن لمجموعة من "الكتاب والباحثين تعريف ماهيتها بشكل كامل، والدخول إلى عمقها أو معرفة جوهرها يحتاج لجرأة في الدخول إلى قلب هذا الهيولى المجهول لتلمّس أبعاده، ورسم حدوده، وإبراز ملامحه الرئيسية وسماته الأساسية، وسبر أغواره".

فكيف يمكن لموضوع الديمقراطية التعبيرية أن يتم في كتاب بمثابة دولة قائمة على هذا المفهوم النظري، الذي لا أعرف مدى أهمية تطبيقه، إلا أنني وجدت فيه نوعًا من المثل السياسية القائمة على التفاعلين الإيجابي والسلبي، والتطور السكاني والمعيشي والاقتصادي والثقافي والسياسي، وبتعريف كامل لأقسام هي بمثابة بوابة عبور للفصل الرابع، والقناعة لترسيخ مضامينها، دون أن ينسى دور الثقافات الإنسانية الإيجابية المساعدة في التأسيس، الذي يشكّل غايتها وترسيخها ضمن كتلة من المعطيات تتصل ببعضها البعض.

وفي الحالة التي يذكرها أو الشروحات التي يصهرها في بوتقة واحدة، تؤدي إلى تساؤل مهم:

إن فشلت واحدة من المعطيات، أفلن تفشل البقية كلها؟ وبالتالي تنهار أسسها ومعطياتها بالكامل؟

وإن لم يكن بمقدور أي مجتمع اعتماد النظام الديمقراطي... ما لم تترسخ "القناعة الفكرية والعقلية والنفسية والعقيدية الواعية لدى الغالبية العظمى من نخبة فكرية..."،

وهنا تبرز أهمية دور الثقافة الحضارية الخاصة بالمجتمع المعني، الذي يتغذى بالاحترام للآخر، وبالمضامين الإنسانية العميقة القائمة على التسلسل الفعّال الذي أنشأه الدكتور علي نعمة في الفصل الرابع، وبتماسك إن انهار فيه فصل واحد، انهارت كل الفصول في الكتاب، الذي لا يمكن فصل أي باب من الأبواب التي وضعها بتأنٍ وتؤدة.

لندخله بحرص شديد على أن يفهم القارئ الأبعاد والقيم الخاصة بكل المضامين التي طرحها نقاشيًا، بامتداد فكري يتّسع كالوعاء الذي ما إن امتلأ حتى استعدت الأنفس لتذوقه بأريحية، دون أن ننسى "اعتبار الإنسان قيمة دينية إلهية تستحق التكريم والتفضيل والعناية والصون والحماية".

فهل يمكن الخروج من الكتاب دون النفع من المبادئ الفاضلة التي زرعها فيه، وإن لم يجد القارئ فيه غايته أو قناعته الشخصية بالمضامين التي جاءت فيه؟

أقول في نهاية مقالي، وبعد قراءة ثالثة متأنية لهذا الكتاب الغني فكريًا بكل ما يمكن أن يتساءل عنه المرء، خاصة الفصل الخامس وبناء الديمقراطية والضبط لمعاييرها من خلال الشرح المكثف لدور كل ممارسة من ممارساتها، وصولًا إلى الفصل السادس والرقابة الضامنة والضابطة لقناعات فكرية ونفسية، والمرجعيات بمختلف أدوارها وأطوارها.

لنجلس في الجزء الثاني على أرضية إنسانية تهدف إلى تكريم الإنسان ورعايته وهدايته، ومنحه الرؤية الواضحة لمنظومة الحرية في الإسلام.

وهنا تبدأ الإشكالية في كتاب الديمقراطية التعبيرية، أو اليقظة الفاعلة في الإحساس أننا أمام نظام فكري معقّد، وليس المدينة السياسية الفاضلة.

لأنه يخصص في الفصل الرابع ما يستنتجه القارئ تحديدًا، وهي: "إشكالية العلاقات بين الفعاليات التمثيلية في ظل السلطة الديمقراطية"، لنصل إلى الفئوي منها، وحساسية كل سبب من أسباب الإشكاليات المؤدية إلى وضعنا على أرض ثابتة تنفي المدينة السياسية الفاضلة،

لأن كل واحدة من هذه الإشكاليات تحتاج إلى دراسات أخرى، يرافقها الدروس العملية أو الفعل القائم على الاختبارات الفعلية التي تنتج الديمقراطية التعبيرية الموجودة في كتاب الدكتور علي نعمة، والفكرة الحبيسة بين غلافين: أولهما العنوان، وآخرهما مدى إمكانية التفاعل في هذه المفاهيم.

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%86%D8%B9%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A9/