معرض يوثّق نشأة مشروع سكك حديد الحجاز في دار النمر
ضحى عبدالرؤوف المل
امتدّت شبكة السكك الحديدية العثمانية إلى أقصى الجنوب من الإمبراطورية، لتكون بذلك قادرة على ربط دمشق بالحجاز، لِبُعدها العسكري والاستراتيجي، ولِبُعدها الديني والأثري. وقد تميّزت الفكرة بقوة أيديولوجية إسلامية من السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اهتم بها لتيسير وصول الحجاج المسلمين إلى مكة والمدينة، باعتبارها مشروعًا إسلاميًا يُسهّل الوصول إلى البلاد المقدسة دون الوقوع في المخاطر التي كانت تحدث أثناء السفر برًّا، وبمسار طويل يجعل من الموت خلال الرحلة إلى الحج شرفًا.
لهذا، فإن مشروع خط السكك الحديدية الذي يصل الكثير من البلدان ببعضها، كان بمثابة الحلم الجماعي في سبيل تحقيق مرحلة تحديثية جديدة للنقل عبر السكك الحديدية، أو ما يُسمى بـ"خط الحجاز".
فهل قصمت سكة حديد الحجاز ظهر الثورة العربية الكبرى؟ أم كانت منطلق نصرها؟
يقدّم المعرض مجموعة نادرة من الصور الفوتوغرافية والوثائق الأرشيفية التي تم الحصول عليها من أرشيف رئاسة الوزراء التركية في إسطنبول، مما يُعيد لخط الحجاز أهميته التاريخية، التي جعلت من الممكن ربط المدينة المنورة بالقسطنطينية (إسطنبول)، وبالتالي تسهيل حج المسلمين من القوقاز وآسيا الوسطى.
فالصور هي ذاكرة عربية تختص بالرؤية الحُلم، التي لم تكتمل، رغم أنها من الخطط التي تُعدّ ناجحة تاريخيًا، إلا أنها تركت جدلية خدمية، إضافة إلى ميزان الربح والخسارة في مثل هذه المشاريع الضخمة.
يقول جايمس بار في كتابه الصحراء تشتعل:
"سُدّدت الهبات ثلث كلفة بناء السكة التي وصلت إلى المدينة المنورة في العام 1908، أي قبل عام من الموعد المحدد. وعلى مرّ ثمانية أعوام بعد ذلك، خطّ حديد الحجاز السفر عبر طريق غير خاضعة للقوانين؛ فبدلًا من السير في الصحراء لمدة أربعين يومًا، أو تكبّد تكاليف السفر بحرًا مرورًا بقناة السويس الخاضعة للمراقبة البريطانية، أصبح من الممكن الوصول إلى هناك بالقطار في غضون ثلاثة أيام فقط."
فهل يفتح دار النمر ذاكرة الصورة الفوتوغرافية لتكون بمثابة الخط البصري الذي يُعيد للتاريخ مرحلة الصراع الاستعماري على الوطن العربي، وقوة التخطيط الفعلي التي كانت آنذاك للتصدي لمثل هذه الصراعات الخفية عبر خط الحجاز، ضمن الصور الفوتوغرافية وبصماتها في إبراز أهمية الأماكن، وكأنها صكّ ملكية تاريخية لمدن كانت تحت سلطة الدولة العثمانية؟ كما في صورة حيفا، حيث يرفرف العلم التركي، وبعض الرجال من الأتراك والعرب بلباس مختلف عن بعضهم البعض، وأيضًا صورة العمال وهم على خط سكك حديد الحجاز أثناء تنفيذه.
معرض يوثّق نشأة مشروع سكك حديد الحجاز، الذي يُعد أول مشاريع البنية التحتية العثمانية الكبرى التي أُقيمت ذاتيًا، إضافة إلى المساهمة الشعبية العالمية في تمويل المشروع، جاعلة إيّاه أول مثال إسلامي دولي لمشروع ممول من قبل الجمهور.
مما يجعل من الصور في هذا المعرض مصدرًا وثائقيًا فوتوغرافيًا هامًا لتاريخ سكك حديد الحجاز، التي تُعد بحقّ بداية لمرحلة جديدة، كانت قد بدأت فعليًا مع خط سكك الحديد. وتلك الصور تُعد وثائق استثنائية لتاريخ المنطقة العربية وواقعها، بعيدًا عن التزييف.
فالصورة توثق بصريًا الآثار في الأماكن، وطريقة العمل في السكك الحديدية، ولقطات تشهد على الزمن العثماني، من الأعلام إلى الأزياء، وصولًا إلى الأماكن الأثرية والحنين في العودة إلى مشروع كان يُعد بمثابة خطّ تنشيط للمناطق التي سيمر بها، وبتكاليف منخفضة جدًا.
فهل تُشكّل هذه الصور الشاهد على المباني التي بناها العثمانيون في هذه المحطات على طول خط سكك حديد الحجاز؟ أم هي تعزيز لأرشفة مشروع خط الحجاز وتاريخيته، من حيث الأهمية العثمانية أو العربية أو الإسلامية خاصة؟
معرض صور "خط الحجاز" في دار النمر، ويستمر حتى 2 حزيران
ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
تم نشره عام 2018 في جريدة اللواء
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%8A%D9%88%D8%AB-%D9%82-%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B3%D9%83%D9%83-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B2-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1/