هل يمكن وصف" فرنكشتاين في بغداد" بالعمل الروائي الأدبي الشديد التأثير؟.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "فرنكشتاين في بغداد" للروائي أحمد سعداوي.

يكشف الروائي أحمد سعداوي في روايته الصادرة عن دار الجمل بيروت، تحت عنوان" فرنكشتاين في بغداد"عن حبكة روائية ترك فيها ثغرات غير منطقية من حيث القدرة على خلق الأحداث المتتالية البعيدة زمنيا عن فرانكشتاين المؤهل خلقه بيد رجل بسيط، في مكان روائي حدده في بغداد، وضمن منطقة معينة فيها، ليضع شخصية تم تكوينها وفقا لأشلاء لملمها من هنا وهناك، وفي مكان متناقض لحي شعبي يجمع المسيحي مع المسلم تحت راية واحدة، حيث تقطن ليشوا التي تكره "الرجل الحزبي الذي قاد ابنها نحو المجهول، وفقدته بسبب ذاك" وفي فصل أول تحت عنوان "المجنونة" لكن هذه الصفة التي بدأ بها العنوان تتسبب بإيقاظ الحواس عند قارئ منحه حاسة حكواتية شبيهة بتلك التي تتنبأ الأحداث مسبقا من خلال الماضي، أو من خلال الخيال المركب من مجموعة أحداث، وقصص احتفظ بها داخل ذاكرته الحكائية، كما إنه ترك الخيوط الفرعية للرواية مشبوكة في نص روائي يصف فيه الواقع الاجتماعي العراقي والشعبي، والأحداث الأمنية بنزفها الدموي، ولم ينس هنا احترام خصوصية وحقوق الميت الذي دعا إلى احترامها" فهذه جثة كاملة تركوها في الشوارع وعاملوها كنفاية" ولكن في أثناء التفجيرات لا يمكن حصر تصرفات البشر، هذا في العالم أجمع، وليس فقط في العراق، ليضعنا بعد ذلك أمام حكايات متعددة يرويها على ألسنة شخوص الرواية المصابين بحشرية روائية، وحكواتي في العصر الحديث نستمع إليه افتراضيا، أو من خلال مخيلة ذاتية تنتج الصور التي تتراءى بعد كل انفجار يحدث.

تصحيح مفاهيمي لشخصية لا اسم لها بدأت مع المؤلفة الحقيقية ماري شيلي التي أبدعت في روايتها فرانكشتاين من حيث الأسلوب وخصوبة المشهد وديناميكية الموضوع الذي يطرح فكرة البحث المعاكس، حيث تقول ماري شيللي في روايتها "فرنكشتاين ": لكي أصل إلى إدراك كنه الحياة، ينبغي أولا أن أقف على شر الموت" فهل نفخ أحمد سعداوي في بطله شسمه روحا فرانكشتينية عبثية تبحث في المجهول عن المجهول؟ أم أنه استمد الفكرة ليعرض بصورة غير مرتبة ما يحدث في العراق من تفجيرات ومآس مع الاهتمام بالتراث اليهودي الموجود في العراق عبر تلميحات غامضة بتعبيرات لم تكتمل" بيت بناه اليهود على الأرجح" ثم إن أحمد سعداوي اختلط عليه مفهوما الخير والشر، حيث اقتلع شسمه عين رجل بريء ليضعها في جسد يموت كل عضو فيها بعد انتهاء المهمة، وفي هذا تلويث لخيال القارئ، لأنه ترك مفاهيم الخير والشر تختلط ، ولم تحقق بذلك مبتغاها الفكري والفلسفي والأدبي، ليعود بالزمن العربي إلى الوراء من خلال رواية لا يمكن حتى مقارنتها بفرانكشتاين مخلوق ماري شيلي المرعب حيث تتساءل في عملها الأدبي هذا :" هل كان لرجال تلك العصور الغابرة هذا الجبروت الهائل قبل أن تطغى عليهم اللذات، فتعمى أبصارهم وتقتل همهم؟! هل كانوا يتمتعون بمثل هذه القوة والسلطان قبل أن تنسكب على نفوسهم نيران الأحقاد والمطامع، فيكيدوا لبعضهم، ويلحقوا الأذى بين جنسهم، فهل حاول أحمد سعداوي ترك حكمة، أوترك كلمات تمنح الفكر الغربي أو العربي رؤية استنتاجية عن شعب يرزح تحت تسلط قوة عظمى؟

أم أن أحمد سعداوي يحاول وضع العرب تحت مجهر ثقافة غربية تبحث عن أعمال عربية تصويرية، أو بالأحرى حكواتية تعود بالزمن إلى التخلف والانهزام والاستسلام، كما استسلمت العجوز المسيحية إلى فكرة الهجرة، وتركت بيتها وأرضها، بينما القط المحبب إلى نفسها تشبث بالمكان بعد أن تركته ليشوا ورحلت بعيدا عنه، فهل هذا يعني أن مسيحيي العراق أعلنوا الهجرة والرحيل ؟ أم أن هذا يظهر مدى التخلف الثقافي النابع من الجهل بالشيء؟ أم أن الممر الحقيقي لفرنكشتاين في بغداد هو رواية تعيد ذكراه بأسلوب بائس؟ أم أننا محونا أدب الرعب، والتزمنا برعب انتقل إلينا من الأحداث السياسية والأمنية التي تتنقل من بلد إلى بلد، والسبب الرئيسي في ذلك هو فرنكشتاين والشسمه المصنوع بيد روائي تأثر بماري شيللي ، ولكن تم تكوينه المختلف بيولوجيا من حكاية مؤدلجة هدفها معايير محددة نجدها في كل رواية منحوتة على مقاييس بوكر يبحث عن عولمة أدبية من نوع ثقافي يهدف إلى نشر صور سردية التقطت من الأحياء العربية المأزومة .

حين بدأت بقراءة الرواية أحببت العجوز ليشوا، وصممت على القراءة الكاملة للرواية برغم توقفي عن قراءتها عدة مرات فيما بعد، ربما على أمل أن أجد بعض الخيوط التي تحقق الهدف الروائي الذي ارتبط ببغداد، والوضع العراقي بشكل عام. حاولت البحث عن تكوينات روائية أساسية لصياغة قولبها سعداوي تبعا للفكرة التي انجرف معها، متناسيا أن التأليف الروائي يحتاج إلى روح صياغة أدبية غنية بثقافات تثري العمل الروائي، وتمنحه متانة مخيلة قادرة على بناء مشهد درامي تحيط به تفاصيل فنية مبنية على اتساع الرؤية ، فهو اعتمد الحركة في اتجاهين مستقيمين فقط، وما من سكون يمهد لتوضيح استدارة رؤيته عند المتلقي حتى في المشاهد السريالية التي لو حذفناها لوجدنا أن النص المسكوب في قوالب مختلفة لن يتأثر، وهذا أتعب القارئ .

عبارات ثلاث اختارها أحمد سعداوي ليضعها ضمن بداية جمعت قول شسمه مع أقوال الروائية ماري شيللي، ومن قصة العظيم في الشهداء ماركوكيس المظفر قبل الانطلاق في التقرير السري الذي انتهى بتوقيع اللجنة، لنستمتع قليلا مع العجوز" ايليشوا المكتفية بطقس مكالمة الأحد" لأضع علامات استفهام قبل كلمة الأحد، ولأرسم أيضا علامات استفهام أخرى في مفارقات الفصل الثاني، فكيف يستطيع الركض من أصيب" بآلام مبرحة في ذراعيه وعظم الحوض، وجروح في جبهته وعظمة خده بسبب السقوط على الإسفلت، لم يكن يمشي بصورة طبيعية، كان يعرج ويسحب خطواته بصعوبة" هنا استدرك هذا بعد ركض، وتعابير سريعة يصف من خلالها المشهد التفجيري الوصفي، أو الإخباري الخالي من أي خصوصية أسلوبية، أي كمشهد روائي له عناصره الأساسية التي لا يمكن القفز عنها، وعلى رأي كونديرا:" لا يستطيع الروائي المعاصر الذي يشتاق إلى الحرية المرنة التي كتب بها المؤسسون الأوائل أن يقفز فوق موروث القرن التاسع عشر، إذ عليه أن يجمع بين متطلبات التأليف القاسية، الجمع بين حرية رابليه وديدرو في الكتابة، والتخطيط المنظم والصارم الذي يتطلبه التأليف" فهل حقق أحمد السعداوي قفزة روائية معاصرة ؟

اتبع أحمد سعداوي أسلوبا مقتضبا محاولا الابتعاد عن صرامة التأليف الروائي الكلاسيكي، لكنه سلب من عمله هذا صورا جمالية حاول التعويض عنها بالمشاهد السريالية غير المكتملة، كما إنه وضعها في المكان غير المناسب، فما بين الحقيقة والخيال في أي عمل أدبي مسافة نقطعها بحثا عن المعنى المفقود، لنحدد بعده ما نريد قوله بوضوح، كما أوضحت هذا المؤلفة ماري شيللي في روايتها الأدبية العميقة الرؤيا" إلا أن يشاء الله الذي كفرت بنعمته كما كفر بي عبدي" بينما بقي الهدف من خلق شسمه المستخلص من" ضحايا يطلبون الثأر لموتهم حتى يرتاحوا، وهو مخلوق للانتقام والثأر لهم" باعتباره مجرد بطل رأينا من خلاله" كل الجرائم التي ترتكب، ويقف خلفها هراء مرتب كهذا" فهل هو هنا في مهمة رسولية أم يحاول إصلاح الفساد بالفساد؟.

بالنهاية أعتذر من المؤلف أحمد سعداوي، كما أعتذر من القراء في بث انطباعي عن قراءة رواية جعلتني أتساءل: هل يمكن وصف" فرنكشتاين في بغداد" بالعمل الروائي الأدبي الشديد التأثير على كل المستويات الفنية؟.

Doha El Mol