الروائية نجوى بن شتوان للواء: "كتابي يتحدث عن جزء من التاريخ ينطبق على العالم العربي والإسلامي كله"
حاورتها: ضحى عبد الرؤوف المل
رصدت الروائية نجوى بن شتوان في كتاباتها التغيرات السياسية والاجتماعية في ليبيا من خلال قصة حب جمعت بين فئتين اجتماعيتين مختلفتين، ومعاناة ذات صفة اجتماعية محدودة تقليدية لامرأة هي من العبيد. إذ تمكنت في روايتها "زرايب العبيد" الصادرة عن دار الساقي من إظهار فترة زمنية من تاريخ ليبيا التي تأثرت بالاحتلال الإيطالي، وفي منطقة كانت تُسمّى "زرايب العبيد"، لتنتج نوعًا جديدًا من الأدب الروائي الذي يرصد مرحلة مهمة، هي مرحلة العبيد التي كانت سائدة، والصراع الاجتماعي على تأمين لقمة العيش مع التمسك بالتقاليد القديمة، ومعالجتها برؤية واسعة في الزمن الحديث.
إذ سلطت الضوء على معاناة بطلة الرواية، العاشقة لرجل بينها وبينه فروقات اجتماعية، وقدرتها على الخروج من بوتقة الرق والاستعباد التي لاحقتها، الشبيهة بمرحلة مرّت فيها ليبيا عبر تاريخها القديم. مؤرخةً لمنطقة "زرايب العبيد" التي كانت موجودة أثناء الاحتلال الإيطالي لليبيا.
فهل العصر الذهبي للأدب الليبي، الذي كان عام 1960، ضمّ إليه رواية نجوى بن شتوان "زرايب العبيد"؟ مع الروائية نجوى بن شتوان أُجري هذا الحوار:
- هل هذه القصة ليبية بطبيعتها؟
هذه ليست قصة ليبية فقط، بل قصة الإنسانية في هذه البقعة من العالم، حيث كانت تجارة الرقيق ممارسة شائعة ومشروعة في أرجاء الإمبراطورية العثمانية. وهذا يعني أن كتابي يتحدث عن جزء من التاريخ ينطبق على العالم العربي والإسلامي كله. إذا تحدثنا عن الرق، وإذا تحدثنا عن الأدب، فأنا أعدتُ إنتاج الحدث سرديًّا بارتكازه على الأحداث الثابتة تاريخيًّا، ويحق لي فيه التخيل.
- لماذا أعطيتِ لقبكِ إلى أبطال الرواية؟
تجنبت استخدام أسماء عائلية أخرى ربما أَصطدم معها في الواقع، لهذا السبب اخترت كنيتي.
- الرواية مليئة بالتفاصيل الأنثروبولوجية، كيف حصلتِ عليها؟ هل اعتمدتِ على مراجع؟
يكفي الإنصات والاستماع. التفاصيل بعضها مخزون في ذاكرتي من الطفولة، من أحاديث الكبار أمامي، وبعضها سألتُ عنه عندما كبرت. في اعتقادي أن الشخصية الليبية هي محصّلة ما ذكرته في الرواية.
- هل هناك جزء آخر يُتمّم "زرايب العبيد"؟
لا، انتقلت بكليتي إلى عمل جديد وفي زمن جدّ حاضر وقريب، وثيمة إنسانية مختلفة.
- السرد، هل هو موهبة أم صنعة؟
في تقديري، الموهبة أساس كل عمل، قبل أن يتحوّل إلى صنعة تطيع صاحبها وتلين له. إن لم تملك هذه الملكة، فالأمر سيكون عاديًّا.
- كيف تكتبين؟
أنا شخص محبّ للعزلة؛ فيها أُنتج أفكاري قبل أن تتحول إلى شكل مكتوب. طقوسي صارمة في الكتابة، لا أحب الكتابة المكتبية في أجواء الكتب أو ما يشير إليها. أفضل سريري، وإذا ما وُجدت شرفة، فهي الأفضل. يهمني العثور على الفكرة ثم البناء. وأستعين بالمشي مسافات طويلة في الفضاءات الخضراء لأفكر. بعض الأفكار تعدّل نفسها خلال عملية الكتابة، لكني لا أفتح جهازي للكتابة وأنا ليس لدي ما أكتبه. إذا بدأتُ رواية، أحب أن أكتب من فترة الصباح إلى الظهيرة، ونادرًا ما أكتب في المساء.
- هل تعتقدين بوجود كتابة نسوية؟
إذا وُجدت كتابة نسوية وأدب نسائي، فسيُوجد هندسة نسائية وطب نسائي وزراعة كذلك.
- موضوعك الجديد، هل سيكون عن ليبيا؟
لا، سيكون أوروبيًّا بحتًا. هو تجربة جديدة في الكتابة عن مجتمع ليس مجتمعي، بروحه الكاملة، دون تحميله شيئًا من خلفيتي الثقافية. أما ليبيا كمجتمع وحدث، فهي محور مجموعة قصصية جديدة انتهيت منها وستصدر قريبًا.
تحليل هذا الحوار
هذا الحوار يتمحور حول رواية "زرايب العبيد" التي أثارت جدلًا واهتمامًا كبيرًا في المشهد الثقافي العربي، لجرأتها في تناول موضوع العبودية في ليبيا، وهو موضوع مغيّب إلى حد كبير في الأدب العربي، رغم امتداده التاريخي وتأثيره الاجتماعي.
نجوى بن شتوان تسلط الضوء من خلال هذه الرواية على فئة مهمّشة، وتحاول تفكيك البُنى الطبقية والاجتماعية التي استمرّت في ليبيا حتى ما بعد الاحتلال الإيطالي، مع إسقاطاتها على الواقع.كما أن لغة الحوار بسيطة، مباشرة، وأقرب إلى العامية في بعض المواضع، وهو ما يعكس طبيعة اللقاء الحواري، لكن دون أن تبتعد عن التعبير الأدبي والفكري الواعي.
نجوى تستخدم عبارات ذات عمق إنساني مثل: "قصة الإنسانية في هذه البقعة من العالم"، مما يدل على سعيها لتوسيع نطاق الرواية لتشمل الهمّ الإنساني، وليس فقط الوطني. بعض التعبيرات مثل "لا أحب الكتابة المكتبية" و"أفضل سريري" تُضفي لمسة شخصية وإنسانية تقرب القارئ من ذات الكاتبة، وتكسر النمطية في الحديث عن الكتابة كفعل نخبوي صارم.
الرواية والحوار يتناولان موضوعًا مسكوتًا عنه في الثقافة العربية، ويُفككان مفهوم العبودية الاجتماعية، ليس فقط كحدث تاريخي، بل كواقع له امتدادات ثقافية مستمرة. بن شتوان تنجح في أن تجعل من هذا الماضي قضية حية.
قصة الحب بين بطلي الرواية من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين تُستخدم لتفكيك الخطاب السائد حول النقاء الطبقي، وتعرية ممارسات الإقصاء والتمييز.
رغم أنها ترفض تصنيف الأدب إلى "نسوي"، إلا أن روايتها – ومن خلالها الحوار – تعكس رؤية نسوية نقدية للعالم، من خلال شخصية امرأة تسعى إلى التحرر، لا فقط من الرق، بل من القيود الاجتماعية والثقافية.
الرواية تقوم على بنية سردية تجمع بين التوثيق التاريخي والخيال الأدبي، وهو ما تؤكده بن شتوان بقولها: "أعدت إنتاج الحدث سرديًا بارتكازه على الأحداث الثابتة تاريخيًا".
يتضح من الحوار أن الكاتبة واعية بمفهوم المسافة بين المؤرخ والروائي، فهي تمنح نفسها الحق في التخيل، دون التلاعب بالحقائق التاريخية.
نجوى في الحوار تظهر ككاتبة تميل إلى العزلة والتأمل، تكتب بروحٍ طقسية شخصية جدًا، بعيدًا عن الأجواء التقليدية "المكتبية". هذا يعكس وعيها بعملية الكتابة كفعل شخصي، ذاتي، يتطلب تركيزًا روحيًّا ونفسيًّا عميقًا.
رغم قوة الطرح، إلا أن بن شتوان تتبنى موقفًا نافيًا لفكرة الأدب النسوي بطريقة توحي بالرفض لا بالنقاش، وقد يُفهم هذا على أنه نوع من التبرؤ من التصنيف في ظل رفض المجتمع لتعبيرات "النسوية"، لكن الرواية في جوهرها تحمل مضامين نسوية بامتياز.
إجابة الكاتبة عن انتقالها إلى موضوع أوروبي "بروح كاملة دون تحميله شيئًا من خلفيتها الثقافية" قد تُعد محل جدل، إذ أن الكاتب – حتى حين يكتب عن الآخر – يبقى مُحمّلًا بحمولته الفكرية والثقافية.
هذا الحوار يكشف عن كاتبة جريئة وواعية، تكتب من موقع نقدي للتاريخ والمجتمع، وتجيد استخدام الرواية كأداة للتوثيق والتمرد. نجوى بن شتوان ليست فقط روائية، بل باحثة عن العدالة من خلال السرد، وراصدة لتحولات التاريخ عبر التفاصيل الفردية المسكوت عنها.الحوار ثري ويُظهر النضج الفني والفكري لبن شتوان، وينجح في تقديم الرواية كعمل أدبي وإنساني مهم يُسائل الذاكرة الجماعية الليبية والعربية.
.
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%AC%D9%88%D9%89-%D8%A8%D9%86-%D8%B4%D8%AA%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D8%AF-%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%8A%D9%86%D8%B7%D8%A8%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%83%D9%84%D9%87/