روح الفلكلور الفلسطيني المنتهك في لوحات هي جدليات فنية
ضحى عبدالرؤوف المل
تدل حكايا الفنان الفلسطيني التصويرية "مصطفى الحلاج" (Mustafa al-Hallage) على سلسلة الحياة البشرية في العصور القديمة، المغمسة بالكثير من الرموز الأسطورية، كالمرأة بشعرها الطويل وبمقاييس جمالية، تحيط بالخيول والطيور، والمناظر المختلفة من الطبيعة، ومن أشياء وتفاصيل تدل على الحياة القديمة والحديثة، وضمن الإطار الفني الفلسطيني الإنساني، الذي كان يحيا دون خوف، وفي أمن واستقرار.
لتصبح الحياة شائكة بعد احتلال فلسطين وتفتقد للعاطفة والسلام. لهذا، تتخذ تصويراته من شدّ الخطوط دقة الوحشية التي تجبره على نحت الخطوط وتحويلها إلى خيوط رقيقة، وكأنه يحفرها بتعرجات تبثّ روح الفلكلور الفلسطيني المنتهك في لوحات هي جدليات فنية، كجداريات مفعمة بالحيوية التشكيلية، وبأسلوب الحفر على المازونيت أو سواها، وبشكل سلبي وإيجابي، لتتناقض الحياة مع أحداثها والعصور مع بعضها، وتتجرّد الرموز من معطياتها الإنسانية المتذبذبة بين الماضي والأسطورة والحاضر والفانتازيا، بتناقض قوي بصريًا.
إن ضمن الأشكال ورموزها، وضمن المساحات وتقنيات التوزيع للنقاط عليها، من حيث الملمس البصري أو حسّ الحفر التصويري ذي الدلالة التعبيرية، على الطابع الفريد لهذا الفن الفلسطيني المحافظ على مضمون القضية الفلسطينية.
في لوحات الفنان "مصطفى الحلاج" تآخٍ وصراعات، والحصان رمز القوة والعروبة والخصوبة، والغموض هو البحث عن الحلول المستعصية التي يتركها في زركشات دقيقة، يمنحها حالة جمالية هي المزج بين الحزن والفرح، وصولًا إلى الكآبة من عصر تمّ فيه احتلال فلكلوريات الوطن، التي شحنها بالرموز العربية الأصيلة. إن من خلال الخيول، والحركة التي تتمثل بالليونة والقوة على مادة جامدة قاسية، إلا أنها من مواد طبيعية حية. وما الحفر على المازونيت، إلا الرسم الذي يتحدى به الفنان المادة، فيسخّرها لتضحي بالرسومات ذات الرؤية العربية، المدججة برموز وحكايات تؤرّخ لتراث فلسطين، وما تترجمه الخطوط الكثيفة من متكسر لمتعرج لمنحني لمائل، مبتعدًا قدر الإمكان عن الخط العمودي، وإن تواجد في لوحاته، إلا أن نسبته قليلة جدًا بالنسبة للخطوط الأخرى.
إضافة إلى المفاهيم الرياضية التي يشحنها بالمقاييس، لتكون بمثابة المحاكاة النسبية لفنّ يحتاج لمقاييس ومعايير محددة، لتبقى اللوحة كالنص البصري المعتق أو القديم، الذي يؤرّخ لعصر لا يريد الحلاج الخروج منه، وهو سِمة العصر الفلسطيني المتحرر من أي احتلال، تصرخ منه لوحات الحلاج، وتجعل من التصوير حكايات أسطورية هي جوهر القضية الفلسطينية في فنه، وجوهر بلاد الشام، وما ترمز إليه شخوص لوحاته.
إن المرأة أو الطبيعة أو الأشجار أو التعبير الخصب عن الرؤى المحصورة في لوحة تحتاج إلى الخروج منها أو السعي لتحقيقها، وكأنه يحتفظ بالحكايا الفلسطينية بين الأبيض والأسلوب، وبين الخطوط نفسها التي ينسجها بتصوف يميل إلى خلق الأبعاد، وكأن تفاصيل لوحاته تتمدّد إلى ما لا نهاية.
ما بين الأبيض والأسود، رحلة تؤرّخ لأيقونات هي فلسطين أو هي الوطن العربي بأكمله، وإن تعددت الأساليب في رحلة الفنان "مصطفى الحلاج"، من النحت إلى الحفر والطباعة، وتصوير الحالة العربية من فقدان لفروسية، يجسدها بقوة من خلال الخيول المتحررة حتى من فارسها، والمرأة العارية المتستّرة بشعرها الطويل أو بالعديد من الرموز التي تجسد فقدان الوطن، كمرآة لنضال نفسي، وأوجاع تستحضر الاحتلال وتنفيه، بل! تكاد تطحن كل مأساة، يستبعدها برمز آخر، أو يجعلها في اللون الأسود، الذي يضيق في لوحاته التراثية المؤرخة لحياة القرى الفلسطينية، ولحياة الفدائي، للمرأة، والفرس، للكوفية والقيود، وبطوباوية وميثولوجية، هي بحد ذاتها جغرافيا الوطن، الذي يتخبط بالرموز، دون أن تتشتّت الدوافع أو حكايا التراث الفلسطيني أو العربي في لوحات الفنان "مصطفى الحلاج" وتاريخيتها، من حيث قوة المادة فيها والأبعاد، والضوء المتحرر من سواد هو عين الاحتلال ومقاومته في آن.
أعمال الفنان "مصطفى الحلاج" (Mustafa al-Hallage) من مجموعة متحف فرحات
ضحى عبدالرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A7-%D8%AC-%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D9%83%D9%84%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%83-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D9%87%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%86%D9%8A%D8%A9/