عمق العلاقة بين الحركة والضوء والألوان وانعكاسات ذلك على مفهوم تسطيح الشكل

ضحى عبدالرؤوف المل

يستكشف الفنان الأميركي فريد سبرات (Fred Spratt) لغة اللون وقوامها الضوئي، وتأثيراتها على المادة التي تتضاءل بصريًا ضمن البُعد الذي يتشكّل من خلال قطع فنية مكوّنة لجدارية يمكن فصلها، وإن تلاحمت نسبيًا رغم تركيبها السلس أو المرن، وفق نظرية العمل الفني الخالي من العيوب. وذلك ضمن فلسفة الضوء الفيزيائية التي تعتمد على التسطيح، وعلى قدرة الألوان في إبراز لغة الصفاء والانعكاس، وتأثيرات لمعانها في التكرار أو الإيقاع، أو في خلق نغمات بصرية تمتد إلى ما لا نهاية.

تغوص ألوان الأكريليك على الألمنيوم، وعلى مسطحات تُشبه النوتات الموسيقية، لتعيد الاتزان البصري لجدارية تتآلف معها تبعًا للحركة واتساعها، ولمساحة يفتحها "فريد سبرات" ويحوّلها إلى مرايا ملوّنة تستقطب الضوء، وفق ميزان فني يرصد حركة الضوء في فضاءات اللون. على أسطح معدنية تتقارب أو تتباعد، تتجه الانعكاسات البصرية بحسب تراصفها أو تضادها أو ثنائيتها، وإن بدت في بعض الأحيان غير مفهومة. إلا أنها تدفع المتلقي إلى إعادة النظر مرارًا، ليكتشف في كل مرة أشكالًا ذهنية يترجمها البصر عبر اللاوعي الفني، الناتج عن تضاد التفاصيل في هذه الجدارية، وتناسقها وتآلفها، وغرابتها إلى حد ما.

ورغم بساطة الأعمال التي تستند إلى معايير منتظمة وذات كفاءة في مفهوم أضواء السطوع في الجداريات، فإنها تشكّل حركة لونية على المسطح وميلانًا ضوئيًا غير مباشر تجاه المتلقي. وتعكس قدرة على ترويض المادة، كالألمنيوم، الذي يضفي على الألوان حيوية ضوئية ذات إسقاطات تشكيلية، تماثل فعلًا ورد فعل، أو تقابلًا بين اللون وضده، وكذلك بين الضوء وتأثير الحركة الانعكاسية في الجدارية، أو في فضاءات الألوان الصافية.

إنها قطع لونية من الأكريليك على مسطحات تشبه الشبكات التي تستقطب الضوء وتعيد توزيعه في المكان، وكأن "فريد سبرات" يلغى الزمان من خلال الضوء اللوني، أو ما يشبه وهج "النيون"، ولكن بأسلوب يتبع بريق كل لون يستخدمه في الجدارية، مثل الرمادي الحيادي بتدرجاته من الفاتح إلى الداكن وبالعكس. ومن خلال تجميع اللون الواحد، بانسيابية تُشبه الفضاء المتخيَّل، تظهر الجدارية كعمل فني يلف الحواس بانفراجاته الضوئية وجماليته، حاملاً في طيّاته المعنى الفني لنظرية اللوحة الخالية من الشوائب.

فهل استطاع "فريد سبرات" تشكيل إيقاعات حركية في فضاءات الضوء قبل اللون؟ أم أنه سعى إلى وضع الأسس الفيزيائية للتضاد الحسي على المادة، بل إلى تحويل المادة إلى كائن حيّ من خلال اللون والضوء والفضاءات، التي تتسع مع الشكل، أو تبعًا للمستطيلات والمربعات وسماكاتها؟

تتكوّن جدارية الفنان "فريد سبرات" من عدة قطع فنية تنتقل من فكرة الوحدة إلى الثنائية. فالتكتل الجمالي لمجموعة من الألوان أو القطع يُعيد تأهيل الضوء ليتجاوز اللون، أو للانتقال من الرمادي الحيادي والسلبي إلى الأزرق البارد، بتدرجاته التي تمنحه توهّجًا بصريًا عند تفاعله مع الرمادي. وكأن الفنان يجمع بين السالب والموجب بصريًا، وفق تقنية مفاهيمية يلعب فيها التشكيل دورًا أساسيًا، من خلال مقاييس نظم إيقاعية تكسر رتابة اللون، أو تكسر تكرار النظم البصرية.

وربما في هذا الطرح إعادة إحياء للفضاءات المتخيلة في أماكن مغلقة، لنزع القيود عن المكان، وإلغاء فكرة الزمن عبر الضوء وانعكاساته على الألوان الباردة والحيادية، في محاولة للخروج من الكلاسيكية. ولإظهار عمق العلاقة بين الحركة والضوء والألوان، وانعكاسات ذلك على مفهوم تسطيح الشكل، أو على رؤى فنية يحررها "فريد سبرات" من التقليدية، ويدفع بها نحو الفن المعاصر.

أعمال الفنان الأميركي “فريد سبرات” (Fred Spratt) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبد الرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B3%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%85%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86/