تشفي الفقير من جوع المعدم

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في المجموعة القصصية "العطر والفقر وما بينهما" للقاص إسماعيل الأمين.

تحمل المجموعة القصصية "العطر والفقر وما بينهما" للقاص إسماعيل الأمين شكلا تراثيا تختلط فيه المفردات القديمة بالمعاصرة، وكأنها الجزء المهم في مجموعته المصبوغة بالحياة العامة والخاصة لأفراد من كل حدب وصوب من القرية والمدينة إلى الغرب، والرجوع بعكس عقارب الساعة إلى قوة الحياة، والصمود فيها عبر تكنيك قصصي نجح المؤلف في تكوينه، ليمزج بين القديم والجديد في الفن القصصي، وببساطة أدبية تميل إلى صياغة تتلاءم مع المضمون، وضمن المحكي بشكل عام في القرى اللبنانية، وبين ما استلهمه من الشخصيات الحقيقية المستخرجة من البيئة التي عايشها، واحتضنتها مجموعته القصصية بشخوصها الحقيقية والمركبة، حتى التراثية منها، وتلك المواكبة لحضارة الغرب، وبرؤية تنبئ عن تحولات الزمن في كل مرحلة، وتنقشها الذاكرة الإنسانية بشتى الطرق، وبتوظيف عام وخاص لنهج الواقع الذي يؤلفه في قصصه المزدانة بلهجة ابن لبنان، وبخاصية المناطق القريبة والبعيدة من العاصمة " أنا والله ما كان بدي أترك أهلي و"ربعي" وخيرات بلدي وأجي على هالمخروبي." مع الاحتفاظ بالسؤال الأكثر أهمية في بعض قصصه: من هم الفقراء، ومن هم الميسورون؟

ثمنية سميد، موسم السليق ، الشحاطة، با مشّحر، هوي بستان بيكن كاين، المبعوجة، الأقرع دين القرد، نقاط الدلف، مفردات باللغة العامية اللبنانية الصرف كان ينبغي تفسير لغوي لها عبر الهوامش، أو عند نهاية كل قصة، لتكون مفهومة للقارئ العادي أو لغير اللبناني، القارئ العربي عامة ، فجمال قصصه التي تحمل من التراث صورا قديمة، ومفردات كحلها ببلاغة التراكيب الأدبية المسكوبة ببساطة في لوحات قصصية فنية ملونة بنكهة القرية اللبنانية شكلا ومضمونا دون أن يتعارض ذلك مع البنية القصصية بشكلها العام والخاص، وإنما بروح المجتمع اللبناني القديم في بعض منها، إن لم نقل في أغلبها، وهذه الرؤية القصصية توقظ الحس اللبناني من سبات عميق، ربما نسيته بعض الأجيال المعاصرة، وتراه في رسومات اللوحات القديمة، وأحاديث الأجداد وكبار السن، وعبر مجموعة إسماعيل الأمين القصصية التي تحمل ثيمة شعبية بموضوعية الشعب اللبناني المكافح، موضحا أن الفلاح ليس بالفقير، لأنه يبيع الحليب والبيض، وغير ذلك، ولكن الفقير من يمتلك البيوت الفخمة والفارغة من الألفة والمحبة والتكاتف وصخب الحياة وضجيجها، فهل استطاع الانتقال إلى الحياة المعاصرة في الغرب من خلال ما تبقى بقصصه؟

مغامرات حب شغوفة في الفصل الثاني" من نص دين لندن "وانتقال بولوني النزعة وفرنسي العاطفة، والإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، مع الحفاظ على متغيرات أظهرها بين سلوك الإنسان العربي في بلاد الغرب وسط انعكاسات أسلوبية مزجها بفن قصصي معاصر نوعا ما، توازى مع الفصل الثالث" من بيروت" حيث تشابه سلوكيا مع بلاد الغرب التي زرناها مع القاص أو في قصصه المشحونة بالمقدس والمدنس، ولو من رؤية اتخذت من القرى اللبنانية طهارة اجتماعية ميزها في فصل أول تركه كتراث بلد يعشقه، ويحمل في ماضيه الصور الاجتماعية المزدهرة بالفقر الجميل المحبوك من رؤية الالتفاف الإنساني المحمل بعبق الإنسان الأصيل المحب للحياة رغم متاعبها وأوجاعها، مما يترك للفصول وثلاثيتها رابطا، وهو الإنسان في كل حالاته، وفي انتقالاته من بيئة لبيئة، ربما هي واحدة في الأساس، لكنها تختلف اجتماعيا وفلسفيا تبعا للحدث والفكرة المبنية على العطر والفقر وما بينهما، وانسحاق المبادئ التي يؤمن بها الإنسان قبل أن تبدأ الحياة بنقش معالمها عليه بشكل سلبي أو إيجابي، وربما ضمن مراحل انتقالية تشبه مراحل ولادة الإنسان وصولا إلى عطر وجودي بعد الرحيل، فهل استطاع القاص إظهار حبكة قصصية محايدة إنسانيا، أو رؤية إنسانية عامة؟ أم هي بصمة لبنانية بحتة ضمن وحدة المعنى والمضمون؟

تعددت العناوين والشخصية واحدة، أو على الأقل إحساس القارئ بالشخصية الأساسية، وهي تنتقل من قصة إلى قصة برحابة قاص يرى الزوايا الحياتية بخطوط جمعها بين القرية والمدن الغربية، ومن ثم العودة إلى بيروت التي تنتهج الأسلوب الغربي في اجتماعياتها المشحونة بتساؤلات تركها بين عروبيته أو شرقيته الملموسة والملتصقة بالأسس الريفية، رغم نهجها السلوك المحسوس في مسيرة الإنسان الغربي الذي يعيش مع المرأة لحظات الحياة المشبعة بالحرية، والمنفلتة من القيود بكل أنواعها معتمدا على القصة وذاتيتها بعيدا عن موضوعية الفكرة التي يعالجها بتقنيات لم تمل إلى التجديد في الشكل والبناء، أو التمرد على كلاسيكية القصة، برغم التأثر بالسرد المعاصر في بعض القصص ولا سيما تلك التي تبحر في خلجان النساء، أو المرأة وأحاسيسها وكيانها، فهل الاختلاف بين الفصل الأول والفصل الثالث كالاختلاف بين الماضي والحاضر؟ أم أن الزمن يسخر من الزمن بعد أن نلمس سلوكيات الإنسان وغرائبيتها بفلسفة وجودية ؟

ثالوث لفصول انفصلت في بعدها الاجتماعي عن بعضها، وتوحدت مع الإنسان، وآثار البيئة الاجتماعية المحيطة به، عبر أيديولوجية قصصية مفتوحة بنائيا على أسلوب لفه بأنواع أدبية، منها النقدي الاجتماعي، والتراثي السردي، وغير ذلك، مما تميزت به المجموعة ، إذ بدا البناء الدرامي للقصص يميل إلى الفقر وعطر التحرر، بنزعة تكشف عن تجليات الواقع وتجاوزات المجتمعات عبر الزمن الواحد، فهل نجح المؤلف في ذلك؟

Doha El Mol