الحقيقة، حين تتأخر، تكون قد ماتت فعلاً.

ضحى عبدالرؤوف المل

يتلاعب كايزر سوزي وهوالوجه المتعدد للشر بالزمن الذي يتسابق معه لتحقيق غاياته ، وبالحقيقة، والمُتلقي، كما فعل مخرج فيلم "The Usual Suspects" (1995)، برايان سينغر وكاتب السيناريو كريستوفر ماكويري. هذا الفيلم، الذي يُمكن أن يُقرأ بطرق متعددة، كفيلم جريمة وتشويق، أو دراما بوليسية، أو حتى أطروحة فلسفية عن الإدراك والشر والمعرفة، يقدم لنا نموذجاً فريداً لفن سردي يتقاطع فيه الشكل مع المضمون، ليصنع خدعة بصرية-عقلية تقوّض يقين المُشاهد قبل أن تُعيد بناءه على أساس من الشك الدائم. فهل من سقوط للواقع من يدي رواي غير موثوق فيه ؟

في قلب الفيلم نجد شخصية فيربال كينت (Kevin Spacey)، الراوي الذي لا نثق به، ليس فقط لأنه مجرم محترف، بل لأن كل ما نراه ونسمعه خلال الفيلم هو روايته للأحداث، وهي رواية يكتشف المحقق كوجان في النهاية (كما نكتشف نحن) أنها كانت مصنوعة بالكامل من عناصر مرئية في غرفة التحقيق.هذا البناء السردي يُثير سؤالاً فلسفياً مركزياً وهو ما هي الحقيقة؟ وهل يمكن أن تكون رؤيتنا للعالم، كلياً، مجرد وهم محبوك بإتقان؟

إن ما يفعله سينغر وماكويري لا يقتصر على تحريف الحبكة، بل يقلب العلاقة بين الراوي والمتلقي، فبدلاً من أن يقود الراوي المُشاهد نحو الفهم، يضلله عمداً، ويجعله يُشارك في جريمة الإدراك المشوّه. حتى أكثر المشاهد التي تضلل المتلقي وتجعله يلهث لرؤية وجه كايزر وسوزي هومشهدعائلته تقتل أمامه. كما أن الفيلم يستعير تقنية الفلاشباك، لكنه يستخدمها ضد منطق ما تراه لا يُوثق، بل يُشوّه. وما تُدركه، لا يُحرّرك، بل يُضلّلك. السينما هنا تُصبح مرآة متكسرة ، تعكس صورة الذات لا كما هي، بل كما نُريد، أو كما يُريد لها آخر، ربما أكثر دهاءً، أن تكون. خاصة عندما يكون الوهم أكثر إقناعاً من الحقيقة.

في هذا، يقترب الفيلم من تراث أدبي وفلسفي عميق، من غوغول إلى بودلير، ومن هيغل إلى نيتشه، في اعتباره أن الحقيقة ليست سوى قناعٍ يُلبَس، لا جوهرٍ يُكشَف.صورة شيطانية للسلطة والشر المتخفي بمن هو كايزر سوزي " أعظم خدعة قام بها الشيطان هي إقناع العالم أنه ليس موجوداً " كايزر سوزي، الشخصية الغامضة التي لا نراها أبداً. أو ربما نراها طيلة الوقت دون أن نعرف شخصيته الحقيقية ، هو أكثر من مجرد زعيم عصابة. هو تمثيل ميتافيزيقي للشر "الشيطان أذكى من أن يعلن وجوده، بل يقنعك بأنه غير موجود أصلاً."بهذا الاقتباس من بودلير، يُحدد الفيلم فلسفته الوجودية. الشر في "The Usual Suspects" ليس مواجهة مباشرة، بل لعبة أقنعة، ومراوغة، وتنكّر. إنه يختبئ في الأضعف، في الهامشي، في المَقعد والثرثار عديم الخطر . أو هكذا يبدو. سوزي، هنا، هو الإله المعكوس، خالق عالم من الأكاذيب، يُعيد تشكيل الواقع بلسان أحد عبيده. إننا لا نعرفه، ولا نراه، لكنه يحكم كل شيء، تماماً كالقوة الغيبية في فلسفات اللاهوت، أو كـ"اليد الخفية" في نظريات السوق، أو كـ"السلطة" كما وصفها فوكوالتي لا تَظهر، لكنها تنظّم كل شيء من الخلف.

إدراك متأخر وهزيمة عقلانية يشعر بها المشاهد الواعي في لحظة الإدراك الأخيرة ، حين يسقط كوب القهوة من يد المحقق كوجان، ويبدأ في إعادة تجميع قطع اللغز التي كانت أمامه طوال الوقت .إذ لا نشهد فقط انهيار قناع كينت، بل انهيارنا نحن كمشاهدين. لقد كنا، طيلة الوقت، ضحايا للقصة التي صدّقناها، لأننا – ببساطة – أردنا أن نُصدّق.

إن "The Usual Suspects" لا يهزأ فقط من المحقق، بل يسخر من ثقتنا كبشر في النظام، في المنطق، في سردية واحدة مرتبة. تماماً كما كتب غوغول "كل شيء خداع، كل شيء حلم، لا شيء كما يبدو عليه." وهنا يكمن العمق الثقافي للفيلم هو يضع المشاهد داخل المعادلة، لا كمُراقب، بل كمُشارك في وهم جماعي، شبيه بما نعيشه في السياسة، الإعلام، الدين، وحتى في مفاهيم الهوية الشخصية. من الحبكة إلى البنية نحن في حلزونية تعيدنا دائما إلى نقطة البداية إذ لا يُمكن فهم هذا الفيلم فقط من خلال "ما حدث" بل من كيف حدث. التركيبة السردية هي القفز بين الماضي والحاضر، والتلاعب بالمونتاج، والانحراف التدريجي عن الثقة – لا تخدم القصة بقدر ما تصبح هي القصة نفسها.

"The Usual Suspects" ليس مجرد فيلم تشويق ذكي، بل أداة فلسفية حادة تقطع أوهامنا اليومية عن المعرفة، والثقة، والسلطة، والواقع. إنه درس في السرد الماكر، وفي هشاشة الإدراك الإنساني، وفي قدرة السينما على أن تُفكك ما نعتقد أنه بديهي.وفي عالم اليوم ، المليء بالأخبار المزيفة، والسرديات المصنّعة، والخدع البصرية والسياسية الماكرة، يظل هذا الفيلم أكثر من مجرد عمل سينمائي ناجح؛ إنه تحذير دائم من أن كايزر سوزي يمكن أن يكون أي شخص، في أي مكان، وربما في داخل كل منا.ويبقي على السؤال مدى الحياة هل نثق بما نراه، أم بما نُحب أن نصدّقه؟ربما، كما قال "الثرثار"، لا يهم... لأن الحقيقة، حين تتأخر، تكون قد ماتت فعلاً.

لبنان- طرابلس في 13 آب 2025 الساعة 12 و 30 دقيقة ظهرا

https://m.ahewar.org/s.asp?aid=880757&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=