فلسفة هنيبعل وتفسير النفس البشرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تدور العديد من الأفكار الفلسفية والنفسية حول الحياة والموت، وكيفية التأثير المتبادل بين الأفراد في سياق تجاربهم الشخصية والعالمية. إذ يُعَدُّ الحوار بين هنيبعل والطبيبة النفسية أحد أبرز الحوارات في الحلقة 13 من الموسم الأول التي يمكن من خلالها فحص الصراعات النفسية العميقة التي يعايشها الإنسان عندما يواجه معاني الحياة والموت. هذا الحوار يحمل في طياته العديد من الإشارات النفسية العميقة والتساؤلات الفلسفية التي تفتح أبواباً لفهم أعمق لمفهوم الذات والوجود.
في هذه المقالة، أردت تحليل حواره مع طبيبته النفسية وهو طبيب نفسي أيضاً لكن من منظور نفسي وفلسفي مع استعراض أفكار هنيبعل، والردود عليه من قبل الطبيبة النفسية. فالتأثيرات المتبادلة بين الشخصيات، وما يحمله كل من هذا الحوار من إضاءات على الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بين الرغبة في الاستمرار والإيمان بمعنى الحياة من جهة، والتساؤلات حول الموت والخلود من جهة أخرى.فهل الحزن عملية فردية ذات هدف عالمي كما قال هنيبعل للطبيبة ؟
الحزن في الفلسفة النفسية هو تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، رغم أن تأثيره يكون عالمياً يتحدث هنيبعل في بداية الحوار عن الحزن كعملية فردية ذات هدف عالمي، ويعبر عن مفهوم عام مفاده أن الحزن ليس مجرد مشاعر آنية، بل هو جزء من التجربة الإنسانية التي تجمع البشر في معاناتهم. من خلال هذا التصور، يبين هنيبعل كيف أن الحزن في النهاية يساهم في تشكيل الوعي الجماعي للبشرية جمعاء. "الحزن عملية فردية ذات هدف عالمي" – هذه العبارة تنطوي على فكرة أن كل فرد يمر بتجربة الحزن بطريقة تختلف عن الآخر، لكن في النهاية، هذه التجربة تساهم في فهم عالمي أكبر.
هذه الفكرة تذكرنا بنظريات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي اعتبر أن الحزن يشكل جزءاً من "الوجود" بشكل عام. بالنسبة لهايدغر، يكون الحزن في بعض الأحيان محركاً للإنسان نحو البحث عن المعنى في الحياة، وهو بذلك يعزز فكرة أن الحزن في جوهره ليس مجرد شعور فردي بل انعكاس لحالة وجودية شاملة. فهل من صراع داخلي يعيشه الإنسان بين الحياة والموت ؟
في النقاش الذي يجري بين هنيبعل والطبيبة النفسية، يطغى موضوع الحياة والموت على الحوار. هنيبعل يعبّر عن رؤيته عن الحياة بأنها مجرد سلسلة من الأحداث العابرة التي لا تؤثر بشكل كبير عليه: "نحن موجودون منذ مئات الآلاف من السنوات... مئات المليارات من حياة الناس بدأت وانتهت." هذه الرؤية قد تعكس الفكرة الفلسفية للعبثية، حيث يشير هنيبعل إلى أن الحياة في النهاية لن تبقى، والموت سيحسم النهاية لجميع الأفراد. إذ يمكن ملاحظة تأثير فلسفة ألبير كامو، الذي وصف الحياة على أنها عبثية وغير ذات معنى في ذاته. من خلال رؤية كامو، يرى الإنسان نفسه عالقاً في صراع داخلي بين رغبته في إيجاد معنى للحياة وعجزه عن تحقيق ذلك، وهي نفس الفكرة التي يعبر عنها هنيبعل عندما يشير إلى أن ملايين الأرواح قد مرت دون أن تترك أثراًعليه.
لكن، الطبيبة النفسية ترد عليه بذكاء، مشيرة إلى أن حياة هنيبعل نفسها قد تأثرت بحياة شخص واحد: "من الواضح أن حياة أبيغيل هوبس قد أثرت فيك." هذه الملاحظة تفتح المجال لفهم تأثير الآخر في تشكيل الذات. فعندما يواجه الشخص حافزاً من شخص آخر – حتى لو كان هذا الشخص جزءاً صغيراً من حياته – قد يتغير نظرته تجاه الحياة والموت. هذا يمثل إشارة إلى أهمية التواصل البشري في تشكيل الهوية النفسية. فكيف يؤثر التحول المفاجئ في وجهات النظر؟
هنيبعل يعبر عن مفاجأته تجاه فكرة الإنجاب، حيث يقول: "لم أفكر قط بانجاب طفل، لكن بعد لقاء أبيغيل فهمت الرغبة في ذلك." هذا التحول في تفكير هنيبعل يمكن أن يُفهم على أنه نتيجة لتأثير علاقة معينة على تطور رغباته وآماله في الحياة. في علم النفس، هذه الظاهرة تعرف بتأثير المرشدين أو النماذج. تأثير الشخصيات المهمة في حياة الفرد يمكن أن يدفعه نحو تغيير أعمق في رؤيته لحياته ومستقبله. فالتحفيز الداخلي والخارجي في علم النفس. العلاقة بين هنيبعل وأبيغيل تعمل كحافز خارجي يثير رغبته في الإنجاب، مما يعكس حاجة الإنسان إلى إحساس بالاستمرارية والتوارث عبر الأجيال. إنها نوع من البحث عن الخلود ليس فقط من خلال الذكرى الشخصية، ولكن من خلال نسل يحمل الاسم والتاريخ. فماذا الخلود والسمعة والسعي وراء تأثير أبدي؟
في حوار هنيبعل مع الطبيبة النفسية، يبرز مفهوم الخلود عبر الذكرى والسمعة. هنيبعل يشير إلى أن أول ذكرى له مرتبطة بفكرة الموت، ويضيف: "أفكر في أول ذكرى لي وأسلط عليها ما أتخيله سيكون موتي." هذا يعكس الفكرة التي طرحها فريدريك نيتشه في مفهوم "إرادة القوة"، حيث يعتبر أن الإنسان يسعى وراء الهيمنة على العالم عبر الخلود في الذكرى والتأثير المستمر.
لكن هنيبعل يتحدث أيضًا عن أهمية "السمعة"، وهذه فكرة فلسفية أخرى تثير تساؤلات حول العلاقة بين الوجود البشري والخلود. في علم النفس الاجتماعي، يعد البحث عن السمعة والتأثير جزءاً من دافع الإنسان للانتماء إلى جماعة أو لتحقيق نوع من الفخر الشخصي. السمعة هي طريقة الإنسان للتأكد من أن تأثيره سيظل بعد موته، أو على الأقل أن ذكراه ستظل حية في الأذهان.
كما أنه أثناء الحوار، تشير الطبيبة إلى خسارة محتملة أخرى قد يحزن عليها هنيبعل، وهي خسارة ويل غراهام. هنيبعل يرد قائلاً: "لم أستسلم عن علاج ويل." هذه العبارة تلقي الضوء على العلاقة المركبة بين هنيبعل وول، وكيف أن هنيبعل يعاني من تعاطفه مع الآخرين وتورطه في محاولات علاجهم، بالرغم من تجاربه الشخصية. هذه الأبعاد النفسية تتجسد في تحليل نظرية التعلق التي وضعت أسسها جون بولبي، والتي تشرح كيف أن العلاقات الإنسانية الوثيقة تؤثر على الشخصيات الفردية. هنيبعل يبدو كما لو أنه يعاني من علاقة تربط بينه وبين ويل، ولكنه في الوقت ذاته يظل متمسكًا بمسؤولياته الأخلاقية تجاه هذا الشخص. فهذا الحوار في الحلقة 13 تحديد يقدم صورة معقدة عن الصراع الداخلي الذي يعايشه هنيبعل في سياق حياته الشخصية، وكيف أن اللقاءات والتفاعلات مع الآخرين يمكن أن تغير من مسار تفكيرنا. من خلال الحديث عن الحياة والموت، الرغبة في الخلود عبر السمعة، وتأثير الآخرين علينا، يتناول النص العديد من الموضوعات النفسية والفلسفية العميقة.
هذا الحوار بين هنيبعل والطبيبة النفسية يعد مرآة لتجربة الإنسان المعاصرة، حيث يواجه صراعاً داخلياً بين الرغبة في إيجاد معنى للحياة وبين فهمه لحتمية الموت. وبينما يسعى كل فرد للوصول إلى حالة من التوازن الداخلي، يظل البحث عن معاني الحياة والموت محفوفاً بالتساؤلات التي لا تنتهي.
بيروت لبنان في 9 أيلول 2025 الساعة العاشرة والنصف صباحا
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=884426&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=