ميغيل ميهورا في مجموعة قصصية بعنوان رجل واحد
ضحى عبدالرؤوف المل
في قصته "صديقة وصديقها"، التي ترجمها "وليد صالح الخليفة " والصادرة في مجموعة قصصية عن" دار الرافدين" يُعيد ميغيل ميهورا كتابة الموروث الديني القديم من منظور عبثي ساخر، حيث الجنة لم تعد الفردوس الخالد، ولا "هو" و"هي" (آدم وحواء) يمثّلان صورة مثالية للإنسان الأول، بل يصبحان شخصين عاديين يشعران بالملل، ويقعان ضحيةً للضجر، ولفوضى القدر. القصة تقدم معالجة مبتكرة، تجمع بين البعد الرمزي والسخريّة الاجتماعية، لتشكك في التصورات المثالية عن البداية، والهدف، والخطة الإلهية، والحب، وحتى الحياة نفسها.
تندرج القصة ضمن تيار العبث الوجودي، حيث تتلاقى التيمات الكبرى للخلق مع واقع يومي مفرغ من المعنى، تحكمه العشوائية أكثر من القدر. الجنة هنا تتحول إلى "مكان طبيعي" مليء بالضجر، ودخول شخص ثالث ـ السيد خيرونيمو ـ يُفجر تناقضات الوضع القائم، ويكشف هشاشته. فالجنة ليست كما نتخيلها .إذ منذ السطور الأولى، يُكسر الإيهام الديني التقليدي المرتبط بصورة الجنة يقول "هو وهي ضاقا ذرعاً في الجنة، لأنهما بدلاً من أن يكونا وحيدين كما يجب، كان معهما سيّد آخر ذو شارب."الجنة، في هذا التصور، مكان مُملّ أكثر من كونه مثالياً. لا وجود للتقديس هنا، بل هناك بشر عاديون، يعيشون في نوع من الانتظار العقيم، والتكرار. "هو وهي" لا يمارسان أي دور خلاّق، بل فقط "يتثاءبان من الضجر"، ويكتفيان بـ"الجلوس تحت الشجرة". وهذه الصورة تنسف التصور اللاهوتي للجنة كمكان للسكينة والسلام، وتعيد بناءها كمكان بشري أكثر منه إلهي، يخضع لعوامل نفسية مثل الملل والاعتياد. هذه إعادة صياغة وجودية، تؤكد أن حتى في الجنة، الإنسان قد يشعر بالفراغ. فماذا عن السيد خيرونيمو والعبث المتجسد به ؟
شخصية السيد خيرونيمو هي مفتاح القصة ومحورها، إذ يمثل ذلك "العنصر الدخيل" الذي يقلب الجنة على رأسها، ولكن ليس عبر الشر أو الخطيئة، بل عبر العادات المفرطة. رجل يطلّ من فوق سور حديقته، يزرع الفراولة، يرتدي ملابس النوم، ويرغب في الحديث "كان يُطل مبكراً كل يوم من سور حديقته ويُسلّم عليهما بلطف، بينما كان يسقي أشجار الفراولة."هذه التفاصيل الصغيرة تصنع عبثاً هائلًا، إذ كيف يمكن لجنّة خُلقت من أجل "هو وهي" فقط، أن تحتوي على رجل يزرع الفراولة ويسلّم كل صباح؟ وجوده هنا مضاد للعقيدة، لكنه لا يُقدّم كشيطان أو رمز للشر، بل كجار ثقيل الظل، يرغب فقط في "الحديث القليل بعد العشاء".ولعل ما يثير الدهشة أكثر هو أن هذا الرجل، وليس الأفعى، هو من يُحدث الانقلاب المحوري في القصة.إذ هو من يُغوي "هي"، ويتزوجها، وينجب منها، مما يؤدي إلى خلق أسرة داخل الجنة، قبل السقوط، وفي غياب الخطيئة. هنا، تُلغى فكرة الخطيئة الأصلية، لتحل محلها فكرة الارتباك البشري، والخيارات الغريبة. فهل القصة تعيد رسم الجنة لا كمكان طوباوي، بل كمسرح مفتوح لكل ما هو غير متوقع، وغير منطقي، وغير قابل للإصلاح؟
الشخصية الثالثة، "هو"، تمثل الوعي المصدوم بالفوضى. لقد وجد نفسه فجأة خارج الحب، وخارج المشروع، وخارج "الخطة" التي كان يظن أنها واضحة "هو، رغم تقديره للسيد خيرونيمو، تضايق كثيراً، لأنه كان يعلم بأنّ الأمور ما كان عليها أن تكون كما كانت عليه، لأنها كانت سيئة." هذه الجملة هي واحدة من أكثر المقاطع دلالة على الانهيار الوجودي. لا توجد كلمات أخلاقية (لم يقل إنها "خاطئة")، بل وصفٌ حائر للواقع "كانت سيئة". الرجل لا يعرف ما حدث، ولا كيف، ولا لماذا. فخطّة الإنسانية الأولى، وخطّة الإله، وخطّة السرد، كلها تعطلت. والمفارقة أن "هو" لا يفعل شيئاً. لا يحارب، لا يحتج، لا يثور، بل يظل في مكانه صامتاً، مثل رمز للوعي المصدوم غير القادر على التصرف. فهل الحب نكتة سمجة في هذه القصة؟
التحول العاطفي بين "هي" و"خيرونيمو" يأتي فجأة، وبدون تمهيد، في مشهد يُكتب على طريقة المسرحيات الهزلية " أحبك، قال لها السيّد «خيرونيمو» في إحدى الأمسيات بينما كان يداعب يدها.... وأنا أيضاً أحبك يا سيّد «خيرونيمو»، أجابته هي كما يحدث في المهازل." في هذا المشهد تُهَجَّن العاطفة، وتُختزل في محاكاة ساخرة للحب. العلاقة لا تُبنى على معرفة أو انجذاب حقيقي، بل على كلام مُقَلَّد من الكليشيهات الرومانسية. إنها نسخة كرتونية من "الوقوع في الحب"، ما يعكس سخريّة الكاتب من تصوراتنا عن الحب المقدّس أو المُخطّط له مسبقاً.
في القصص الدينية، تلعب الأفعى دور الشرير الرئيسي، المُغوي، المُفسِد. لكن في هذه القصة، تقف الأفعى عاجزة تماماً"الأفعى هي الأخرى كانت في وضع غير مريح، ولم تكن تعلم كيف ومتى كان عليها أن تتدخل في ذلك المشهد."لقد سُلب منها دورها المركزي. فالمفسد هنا ليس "الشيطان"، بل العشوائية والرتابة وملل الجنة. الأفعى تصبح كائنًا عاديًا، يُشاهد الحدث من بعيد، دون سلطة رمزية.بل إن كل الحيوانات الأخرى أيضاً "انزعجت كثيراً أيضاً، وقالت إنّ ذلك لم يكن معقولا."الجنة لم تعد موطناً للانسجام الكوني، بل أصبحت مسرحاً للاستياء العام. وكأن الطبيعة نفسها تُفاجَأ بسير القصة في هذا الاتجاه العبثي. لكن التحول الكبير يتمثل في دخول الأطفال إلى الجنة "وبعد وقت قصير، صار لهما اثنان أو ثلاثة من الصغار الذين سمنوا بسرعة، إذ أنّ الجنة لنقائها كانت صحية بشكل مدهش."هذه الطفولة التي تُفترض أن تكون مباركة، تُصوَّر هنا على أنها زيادة عبثية داخل فضاء غير مؤهّل لاستقبالها. الأطفال لا يولدون بالخطيئة، ولا يَسقطون من الجنة، بل ينبتون كأثر جانبي لحبّ هزلي، في أرض فائقة النظافة. الجنة تفقد هويتها، تتحول إلى ضاحية مزدحمة بالأطفال والمزارع والجيران. ليس هناك سقوط، بل تدهور تدريجي في المعنى. فهل أراد القاص القول : "ليست هناك خطيئة أصلية... هناك فقط قرارات غير مفهومة، وآخرون يظهرون فجأة بملابس النوم."؟
بنية القصة تعتمد على تناصّ قوي مع قصة آدم وحواء، لكنها تُفكّك هذا التناص بتقنيات سردية أبرزها استخدام تعبيرات مثل "نلتقي بعد العشاء"، أو "ملابس النوم"، تنزع عن الجنة طابعها الأسطوري. أما الإحالات المعاصرة فتظهر في ذكر شوارع مدريد مثل "كاستيانا" و"ريكوليتوس"، يُحوّل الجنة إلى حيّ حديث، ويُقلل من قدسيتها. كما يصف الراوي الساخر الأحداث ببرود، ويقدّم التحولات وكأنها أمور طبيعية تماماً، مما يزيد من حدة السخرية.كل هذه العناصر تجعل القارئ يعيش حالة من الاغتراب الجمالي، حيث لا يمكنه الركون إلى أي معنى ثابت، أو تفسير تقليدي. فقصة "صديقة وصديقها" ليست فقط قصة رمزية عن الخلق، بل هي محاولة سردية جريئة لتفكيك كل ما هو مقدّس، من خلال أدوات فنية مدهشة. إنها تفرض تساؤلات هل الإنسان خُلق ليتبع "خطة"؟ أم أن الفوضى والضجر، والاختيارات الغريبة، هي الأصل؟ وهل الحب "يحدث" لأنه مقدّر؟ أم لأنه ببساطة... لا معنى له؟
بيروت\لبنان \ 19 أيلول 2025 الساعة العاشرة صباحاً
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=885781&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=