الروائي هيثم حسين لـ الزمان: أكتب من جرح لا يتوقف عن الكلام

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل

ريستال أفريقيّ” عن الأثر والهشاشة والهوية الجريحة

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

في روايته الجديدة “كريستال أفريقيّ”، الصادرة عن دار عرب في لندن، 2025، يخوض الكاتب والروائي الكردي السوري هيثم حسين مغامرة سردية متشظّية عبر قارّة تُقدَّم كمسرح رمزي للمنفى، والمحاولة، والانكسار. عبر شخصية صحافيّ ومترجم ينتقل بين لندن ومالي ومدغشقر، تتشكّل الرواية بوصفها خريطة نفسيّة ثقافيّة، ترصد التحوّل في الهوية، والانكشاف في مواجهة الآخر، والكتابة بوصفها سلاحاً ضد العدم.

– هل ترى أنّ هوية الرواية في “كريستال أفريقيّ” عبء أم سند؟ وكيف تتغير مع كل لقاء وصدام ثقافي يمرّ به الراوي؟

الهوية في الرواية سؤال مفتوح ومراوغ، يطارد الراوي أكثر مما يقدّم له سنداً، وهي حالة ارتياب، وشكّ دائم، وانكشاف يتجدّد مع كل احتكاك بالعالم، لا تأتي بوصفها درعاً يحمي، ولا هي قيد يُقيّد، لكنها تظهر في هيئة عبء حين تُستدعى في اللحظات القسرية، وفي هيئة سند حين تصبح وسيلة للفهم العميق والانتماء المتنازع عليه. ما من هوية متماسكة أو نهائية هنا، لكنها تجارب متراكبة، مهشّمة، تتكشّف في لحظات الصدام والتوتّر، لا في لحظات الهدوء. مع كلّ لقاء ثقافيّ، ومع كلّ صدمة ناتجة عن الانتماء أو الاختلاف، يعاد اختبار الذات كمنفى متحرّك. هوية الراوي تجربة هشاشة، وصيرورة تمتحنها الأمكنة والوجوه واللغات، حيث يواجه الراوي عالماً لا يعترف به إلّا من خلال جنسيته، أو ملامحه، أو لكنته، ويُفاجأ دوماً بأن التعريفات التي كان يظنها صالحة سرعان ما تسقط في المحكّ. كل لقاء جديد يهزّ بنيته، ويدفعه إلى مراجعة ما ظنه استقراراً في ذاته. تتغير الهوية مع كل صدام لأنها لا تنتمي إلى الجوهر، بل إلى التجربة، إلى ما يتلقاه الجسد من إشارات، وما تصدّقه النفس من مشاعر. إنها حكاية يرويها الآخرون عنه، لا حكاية يملكها وحده.

– كيف ترى توظيف التفاصيل الجسدية؟ هل تخدم فهمنا الأعمق للشخصية أم تخرجنا من السياق؟

الجسد في الرواية وثيقة داخلية، سجلٌّ غير قابل للطمس، لغة موازية، يُكتب ويُقرأ، ويتحمّل آثار ما لا يُقال. والتفاصيل الجسدية مرآة لعلاقة الشخصية بذاتها وبالعالم، وخصوصاً عندما يكون الجسد شاهداً على الفقدان أو الرغبة أو الخوف، وهي تتسلّل حين تصبح الكلمة قاصرة، حين تعجز اللغة المجردة عن نقل الانكسار والانهيار. أستثمر هذه التفاصيل لتكثيف التوتر أو لتسليط الضوء على التصدعات العاطفية أو حتى على الصمت. لا أرى فيها انزياحاً عن السياق، بقدر ما تكون ولوجاً إليه من زاوية حسّية لا يمكن تجاهلها، لا سيّما في عمل تتقاطع فيه الرحلة الجغرافية مع الرحلة النفسية. الجسد ينهض كذاكرة بديلة، كأرشيف منسيّ، يحمل شيفرات النبذ والانجذاب والخوف والإذلال. إخراجه من السياق يعني بتر خيط حيويّ في سردية الشخصية. لا يمكن فهم التحوّلات النفسية ما لم تُقرأ على بشرتها، في ارتعاش أصابعها، أو في الطريقة التي تتأمّل بها عريها أو عري الآخرين.

– هل عثمان صبري هو لحظة مصالحة مع الذات أم هروب من واقع مضطرب؟

عثمان صبري – سواء كشخصية أو كاسم تاريخيّ يُستعاد في النصّ – يمثل مسافةً للتأمل أكثر مما يمثل جواباً، واستدعاؤه لا يتمّ بوصفه أيقونة رومانسية بقدر ما يستحضر كعلامة على مسار من المعاناة والمقاومة في التاريخ الكرديّ الحديث، ومحاولة لرؤية الذات في مرآة من مرّوا قبلاً بنفس المحنة. نكتبهم لنفهم أنفسنا، أو لنقنع أنفسنا أننا لم نُخلَق من فراغ. في سياق الرواية، كل استدعاء لشخصية رمزية أو مغبونة هو استدعاء للذات بوصفها مجهولة ومجروحة في آن. وعثمان صبري، يجيء كصوت قديم مؤثّر، يرنّ داخل الراوي كلما خذله الحاضر، ولا يمكن اختزاله في المصالحة أو الهروب، لأنّ الراوي لا يصل إلى مصالحة نهائية، ولا ينجو من الاضطراب الذي يتآكله. استحضار عثمان صبري يشبه الوقوف أمام مرآة مغبّشة، يحاول الراوي من خلالها أن يتلمّس صورة، أو يستعير شجاعة، أو يبحث عن سردية تشبهه، أو تنقذه من التلاشي. وهو لا يبحث عن تمجيد اسمٍ ما، إنّما عن اتصال داخليّ قد يشكّل نوعاً من الطمأنينة الرمزية، أو التقاط أثر من ظلّ الكرديّ من دون أن ينكسر كليّاً. هذا التماسّ مع عثمان صبري يشكّل محاولة لفهم الذات في علاقتها بتاريخها المقصيّ، لأنّ أحد أولئك الروّاد الذين نعيد حكايتهم لا لنمنحهم حياة ثانية، إنّما لنستعير من خساراتهم مفردات نُعبّر بها عن جروحنا، ونجد في ظلالهم واثارهم ما يفسّر ارتباكنا في مواجهة واقعنا.

– كيف يُعاد تعريف المكان عبر تجربة المنفى الاختياري في روايتك؟

المنفى في الرواية إرغامٌ مؤجّل مغلّفٌ بالوعي، والمكان يُعاد إنتاجه كساحة للخيبة والانكسار والتطلّع في الوقت ذاته. من لندن إلى مالي إلى مدغشقر، تتبدل الأمكنة لكن الجرح الكرديّ – والإنسانيّ عموماً – يرافق الشخصية كظلّ. الرواية تعيد تعريف المكان عبر الذاكرة المتنقّلة، وعبر الرغبة في إعادة رسم الخرائط من وجهة نظر المهمّش واللامُنتمي. والمنفى هنا مواجهة طويلة مع سؤال المكان الأول، ومع خريطة لا تنفكّ تتبعك إلى سريرك ومكتبك وصمتك. أحاول في هذه الرواية إعادة إنتاج المكان انطلاقاً من مفارقة أن تكون بعيداً بما يكفي لترى، وقريباً بما يكفي لتتألّم، حيث المدن التي يدخلها الراوي – من لندن إلى باماكو – لا تفتح له ذراعيها، لكن تراها تختبره، وتُعرّيه، وتجبره على إعادة النظر في جذوره، وهي بذلك مساحات للذّاكرة، صناديق سوداء تحمل الأصوات والصور والوجوه، وحين يتنقّل الراوي، يتنقّل داخلياً أيضاً، لأنّ كلّ مكان جديد لا يمحو السابق، لكنّه يعيد كتابته بضوء مختلف.

كان غريباً أن أشعر، في قلب مدغشقر أو باماكو، أنّني أتعرف إلى ملامح أعرفها مسبقاً، العيون التي لا تطمئن، الأجساد التي تعيش على الهامش، اللغات التي لا تجد من يصغي إليها. ليس هناك من وجود كرديّ منظم في أفريقيا، لكن ثمة تشابه خفيّ بين المنفيين قسراً أو طوعاً. كأنك ترى الكرديّ في الأفريقيّ من دون أن تبحث عنه، تراه في نظرة الارتياب، في الصمت الطويل، في الحذر من المؤسسات، في الغضب المكتوم. وحضوره حضوراً عدديّاً، إنما هو شعور وجوديّ، كأنك تحمل همّاً مشتركاً مع من لم تسمع لغتهم من قبل.

– هل يمكن القول إن الرواية تشكّل نوعاً من الكتابة عبر الترحال؟

لربّما الرواية كتابة تنبع من الترحال، لكن ليس ذلك الترحال الذي يقتصر على الحركة المكانية، إنّما ذاك المعبّر عن التشظّي، عن بحث مضنٍ عن معنى في زمن يتآكل فيه المعنى. الراوي يتنقّل ليكتشف عالماً جديداً وليقيس المسافة بينه وبين العالم الذي أخرجه منه. ورحلة الكتابة هنا تشتغل على أكثر من مستوى، هي عين ترصد، وأذن تلتقط، ويد تسجّل، لكن الأهمّ أنها محاولة لاستعادة توازن مختلّ. ما كُتب خلال هذا الترحال لا ينتمي إلى أدب الرحلة بالمعنى التقنيّ، وأعتقد أنّه أقرب في بعض جوانبه إلى أدب المجابهة، حيث يعاد اكتشاف الأمكنة بوصفها قدراً وكائنات مؤثّرة ترسم مساراتها. كل محطة في الرواية تضيء بُعداً آخر من التهشيم أو من التكوين، وهي بذلك كتابة على أطراف الخريطة، وفي تخوم الهوية، ترصد ارتجافات الذات في مواجهة العالم، لتوثّقه تارة ولتعيد مساءلته تارة أخرى.

لم يكن توجّهي في الرواية إلى عوالم أفريقيا بحثاً عن هوية جديدة، أو حكايات غرائبية، لكنّه كان بحثاً عن امتداد لذاكرة ممزّقة. حين استرجعت سيرة الكُرد الذين مرّوا من هناك كلاجئين ومنفيّين، كتجّار، كأشباح، كرهائن، أدركت أنّ التهجير ليس خصوصيّة كردية بقدر ما هو لعنة بشرية عامة، غير أنّ الكرديّ الذي يصل إلى هناك لا يملك امتيازاً ثقافياً أو جغرافياً، تراه فقط يمتلك خيطاً سرّياً من الألم، يشدّه إلى منفى آخر، حتى لو كان مغطّى بالخضرة الاستوائية.

– ما رأيك بأسلوب السرد في روايتك؟ وهل ترى أن استخدام التداعي الحر واللغة المكاشفة يخدم الرواية؟

لا أبحث عن يقين نهائيّ فيما أكتب، ولا أطمح إلى بناء رواية مكتملة الأركان كما تقتضيها القوالب الصارمة، أكتب مدفوعاً بهاجس الخسارة، بأسئلة لا تنغلق، بتجارب تشظّت وتحوّلت إلى شظايا لغوية. أكتب من جرح لا يتوقّف عن الكلام، جرح يعلّمني أن الصمت ليس دائماً كرامة، وأن الكلام لا يكون شجاعة إلّا حين يكون مكشوفاً، بلا أقنعة. هذا الجرح هو الذي يفرض إيقاع السرد، يقاطع التسلسل، يشوّش البناء، لكنّه أيضاً يمنح الرواية صدقها الداخليّ ومناخها المتوتر الذي يظلّ متيقظاً حتى في لحظات الخفوت. وأسلوب السرد هو انعكاس لطبيعة التجربة، والتداعي الحر جاء ضرورة في بعض الفصول لأنّه يحاكي تمزّق الوعي، وتراكب الأزمنة، وتدفق الذاكرة مثل طوفان، لأنّ الذاكرة، في حال الانكسار، لا تشتغل بطريقة منطقية، بل تتقافز وتنهار وتعيد تشكيل نفسها بطرق مفاجئة. لهذا جاء السرد محكوماً بإيقاع داخليّ، بإلحاح على الكشف. اللغة المكاشِفة تنبع من شعور عميق بأن التنميق لا يليق بالخسارات، وأنّ الصدق العاري هو الشكل الوحيد للنجاة الرمزية. المكاشفة إعادة امتلاك للصوت، لموقع الذات في الحكاية، والشخصية لا تهمس، إنّما تواجه، وربما تفضح نفسها لتسبق الآخرين إلى فضحها. في هذا النوع من الكتابة، يصبح التداعي الحرّ وسيلة لإنصاف الزمن الداخليّ، ويصبح الصدق الشعريّ مرآة لكلّ التمزقات التي لا يمكن تسويتها بالزخرفة.

https://www.azzaman.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%87%d9%8a%d8%ab%d9%85-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d9%84%d9%80-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%ac%d8%b1%d8%ad/

تحليل الحوار مع الروائي هيثم حسين

الحوار مع الروائي هيثم حسين يشكل رحلة عبر أبعاد نفسية وثقافية متشابكة، حيث يعكف الكاتب على توظيف أدواته السردية لاستكشاف مواضيع الهوية، المنفى، والحضور الذاتي في عالم لا يعترف بالحدود التقليدية للأنا. في هذا التحليل،حاولت تتبع الآليات النفسية التي يحركها الحوار، ونعكاساتها على أعمال هيثم حسين.

يعد مفهوم الهوية في حديث حسين عن روايته "كريستال أفريقيّ" أحد المحاور الرئيسية التي يعالجها. ولكن ما يميز مقاربته هو الكيفية التي ينظر بها إلى الهوية كعبء أكثر منها سندًا. وهذا التوجه يحمل في طياته مفهوماً نفسياً عميقاً: الهوية كعامل قيد أو نفي للذات. يصف حسين الهوية بوصفها سؤالاً مفتوحاً، يحمل في مضمونه قلقاً دائماً، فهي ليست ثابتة أو حاسمة، بل في حالة دائمة من التشظي والتغيير. هذا التشظي يمكننا قراءته من خلال منظار التحليل النفسي: الراوي يعيش في حالة انعدام الاستقرار الداخلي، حيث تكون الهوية محكومة بمحددات خارجية (الجنسية، الملامح، اللغة)، مما يعكس أزمة الذات الهشة التي تتشكل عبر التصادمات الثقافية المختلفة.

الراوي في "كريستال أفريقيّ" يمثل تجسيداً لما يعرفه علماء النفس بـ الذات العائمة أو المتغيرة، التي تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع الآخر. ويصبح الصراع حول الهوية هنا بمثابة صراع داخلي بين محاولة الحفاظ على الثبات النفسي والاضطراب الذي يخلقه الآخر في الذات. وعليه، نجد أن الهوية في الرواية ليست مجرد تجلي للوجود، بل هي معركة مستمرة للثبات في عالم متقلب.

يتحدث حسين عن الجسد كمادة سردية تحمل ذكريات الألم والخوف، وعليه يصبح الجسد وسيلة لقراءة الوعي الداخلي للشخصية. في التفاصيل الجسدية، نجد إشارة إلى التحليل النفسي الجسدي، حيث تتجسد المشاعر المعقدة مثل الرغبة والخوف والفقدان من خلال لغة الجسد. هذه التفاصيل، التي تُستعمل لتكثيف التوترات العاطفية، ليست مجرد ملامح سطحية، بل هي سجل نفسي للانكسارات والآلام التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات.

التحليل النفسي يشير إلى أن الجسد هو أرشيف لا واعي يحمل العديد من الانفعالات والمشاعر غير المُعترف بها. يمكننا أن نرى أن الجسد في الرواية يتحول إلى أداة مقاومة ضد التلاشي الداخلي، وأداة كشف عن الصراع النفسي المستمر بين الراوي وما يختبره من محيطه. وفي هذه القراءة، يصبح الجسد مرآة للذات التي تتجاذب بين أبعاد الواقع المادي والذاكرة النفسية.

في استحضار شخصية عثمان صبري، يحاول حسين أن يخلق رمزية تاريخية تكون بمثابة مرآة للذات الكردية الجماعية. إن استدعاءه لشخصية تاريخية تعيش في الذاكرة الجماعية للكرد يحمل دلالة على رغبة الراوي في إعادة تلمس الذات في مواجهة التجربة المعاصرة. لكن حسين لا يضع هذه الشخصية في إطار توافقي، بل يجسدها كصوت قديم يرن داخل الراوي في لحظات الضعف والخذلان. إن هذا الصوت هو بمثابة اللاشعور الجماعي الذي ينادينا للعودة إلى التاريخ لفهم الحاضر. بحسب التحليل النفسي، فإن الراوي لا يواجه عثمان صبري فقط بوصفه شخصية تاريخية، بل هو في مواجهة مع نفسه، مع خيباته الذاتية، ومحاولاته الفاشلة للمصالحة.

عثمان صبري في الرواية لا يمثل الحل أو النصر النهائي، بل هو حالة من "التعايش مع الجرح" الذي لا يُشفى، وهي نظرة نفسية تشير إلى الأنماط المعقدة في اللاوعي الجماعي للأفراد الذين ينتمون إلى فئات مهمشة. حسين، من خلال استدعاء عثمان، يعبر عن الاحتراب الداخلي الذي يعيشه الراوي في سياق ثقافي يتسم بالاغتراب والتمزق.

المنفى في رواية حسين لا يمثل مجرد الهجرة المكانية، بل هو حالة نفسية وجغرافية تصف التشظي الداخلي. الراوي في المنفى يعيش تجربة الاغتراب الوجودي، حيث لا يستطيع أن يجد نقطة التوازن بين مكانه الجغرافي ومكانه النفسي. المنفى، في هذا السياق، ليس مجرد مكان بعيد أو عابر، بل هو إعادة خلق للوجود، إعادة تشكيل للهوية في مرآة الآخر الثقافي والجغرافي. المنفى في الرواية يتجسد كـ جرح دائم، لا يُغلق بالانتقال من مكان لآخر، بل هو استمرار لتمزق الهوية الذي لا يجد له علاجاً.المنفى ليس فقط نفيًا للمكان، بل هو نفي للذات في مكان آخر، حيث تتداخل الذاكرة بالواقع وتصبح الشخصية في حالة بحث دائم عن أرض ثابتة للوجود، لكنها تظل عائمة في المسافة بين الذاكرة والمكان.

من حيث الأسلوب، يشير حسين إلى استخدام التداعي الحر كأسلوب سردي رئيسي. التداعي الحر في هذا السياق ليس مجرد تقنية سردية، بل هو استجابة نفسية لاضطراب الذاكرة. يشير هذا الأسلوب إلى تلك اللحظات التي تَتشظى فيها الذاكرة وتتفكك تحت وطأة الألم والتجربة الإنسانية المشتتة. التداعي الحر في الرواية يمثل المنطق الداخلي الذي يعبر عن اللاوعي المتدفق، ويمثل أيضاً العقل غير القادر على ربط الأزمنة والأماكن بشكل متسلسل، وهي سمة أساسية في التعبير عن التجربة الداخلية الممزقة التي يمر بها الراوي.

من خلال حواري معه ، نلحظ أن هيثم حسين يبني روايته على أسس نفسية معقدة، حيث تتداخل الهوية، الجسد، والمنفى مع الذاكرة الجماعية واللاشعور الفردي. حسين يخلق سرداً يتسم بالتشظي والاضطراب، لأنه يعكس واقعًا نفسيًا داخليًا مكسورًا، وهو بذلك يحاول إعادة بناء هذه الذات الممزقة من خلال لغة مكاشفة وصوت داخلي يسعى دائمًا للبحث عن معنى وسط الخراب.