هل رواية" بيت الجاز" هي جولة في النفس البشرية المشتعلة؟
ضحى عبدالرؤوف المل
لا يمكن الفصل بين الإيقاع النفسي للشخصيات وتوتر المكان في رواية "بيت الجاز" للروائية "نورا ناجي " التي تحتضن معنى العنوان الذي يضعنا أمام مفارقة رمزية وهي "الجاز" أو "الكاز" ليس مجرد سائل مشتعل، بل يصبح استعارة لحالة الانفجار الداخلي، لتلك الرغبات المكبوتة، والأحاسيس المحترقة التي تتردد بين الجدران المظلمة للبيت. وكما في موسيقى الجاز، يتلوى النص بين لحظات السكون والانفجار، بين الصمت والكلمات المشتعلة، ليخلق ما يمكن تسميته بـ"إيقاع الانفجار النفسي". بين الإشتعال والإيقاع حيث تأخذ النيران الداخلية للنفس البشرية بالأشتعال. فهل يمكن للإشتعال أن يأخذ دور البطولة في هذه الرواية ؟ وهل هو بيت الروح المشتعلة أو البيت الذي يسكنه الجرح والرغبة في آنٍ واحد؟ أم هو بيت من نارٍ يتظاهر أهله بالسكينة؟
الرواية تصنع فضاء مزدوجاً، وهو فضاء خارجي ممتلئ بالأصوات والحركة، وفضاء داخلي صامت يغلي بالتناقضات. هذا التناقض يذكّرنا بمفهوم فرويد عن اللاوعي المكبوت، حيث تتقاطع الرغبات الممنوعة مع الخوف من الانكشاف. فالشخصيات تتحرك وكأنها على شفا احتراق داخلي، وكأن كل فعل صغير أو كلمة صامتة قد يشعل شرارة الانفجار. التكرار القهري الذي يظهر في تصرفاتهم، من التحرك بين الغرف المظلمة إلى الانسحاب المفاجئ، يعكس محاولة للسيطرة على الصراع الداخلي، لكنه في الوقت نفسه يكرسه، تماماً كما يشير فرويد في تحليله للدوافع القسرية.
كما نلاحظ تأثير لاكان في تصوير "الذات المتصدعة"؛ الشخصية في بيت الجاز لا تمتلك وحدة مستقرة، بل هي ذات مشروخة، تتنقل بين صورة الأنا والآخر، بين الإدراك والخيال، بين الرغبة في الاحتراق والرهبة من اللهب. الجدران المشتعلة بالكلمات والإيحاءات الرمزية تصبح مرآة للذات المشروخة، لكل الرغبات المزدوجة، لكل الانقسامات الداخلية التي تفتك بالوعي من الداخل. أما يونغ، فيرشدنا نحو قراءة أوسع في البيت نفسه كرمز للانزياح النفسي والأسطوري، حيث تتحرك الشخصيات بين الظل والنور، بين الغابة الداخلية وممرات الواقع، في إيقاع يشبه الأحلام. الرمزية المستمرة للجاز، للسائل المشتعل، للحرائق المحتملة، ليست مجرد حدث مادي، بل تمثل "النار الأبدية" التي تحرك اللاوعي الجمعي، كما لو أن كل غرفة في البيت هي انعكاس لمفهوم يونغ عن الظل والاندماج مع القوى المخفية في النفس البشرية.
اللغة في الرواية تنسج هذا الاحتراق الداخلي بشكل أدبي بديع في جمل طويلة متدفقة، مراوغة، تشبه الموسيقى. الانفجارات اللفظية، الصمت المفاجئ، الإيماءات الرمزية، كلها أدوات فنية تخلق "إيقاع الجاز" داخل الرواية. وكل استعارة، من اللهب الخافت في زاوية الغرفة إلى الرائحة الثقيلة للكازأو الجاز بلهجات محلية أخرى، تعمل على ربط القارئ بالجانب النفسي العميق، بطريقة تجعل النص أكثر من مجرد سرد؛ إنه تجربة شعورية، تجربة شعلة متوهجة بين الواقع والخيال.
كما هو واضح، كل شخصية في الرواية تتفاعل مع البيت باعتباره كائناً حيًّا؛ البيت لا يحتضنهم فقط، بل يحركهم، يحرقهم داخلياً، يخلق لهم متاهات من الصراعات النفسية والذكريات المشتعلة. هذه العلاقة بين المكان والذات تجعل من الرواية تجربة نفسية مكثفة، حيث تصبح الجدران مشهداً لحالة التحويل النفسي، وحيث تصبح الحرائق الرمزية بمثابة انعكاس لمواجهة الذات مع رغباتها المكبوتة وخوفها من الانكسار.
وبالعودة إلى الرمزية الموسيقية، يمكننا أن نرى كيف أن الجاز ليس مجرد عنوان موسيقي، بل أداة لتمثيل الانفجار العاطفي والتموج النفسي في كل مقام موسيقي، كل فجوة في اللحن، يعكس الفجوات داخل الشخصيات، الانكسارات اللحظية، والتحولات السريعة. في هذا الصدد، النص نفسه يصبح آلة موسيقية، نغماته تشتعل وتخفت مع مشاعر الشخصيات، وكأن كل كلمة مختارة بعناية لتكون مثل شرارة في "بيت الجاز" النفسي. فهل بيت الجاز هو مسرح الانفجار الداخلي؛ حيث تتقاطع المفاهيم النفسية مع الجمالية الأدبية، والرمزية الحسية مع الموسيقى الداخلية للشخصيات؟
في المستوى النفسي والفلسفي، تكشف "نورا ناجي " عن قطبة مخفية وهي أن الاحتراق ليس عقوبة، بل هو شكل من أشكال التواصل مع الوجود.الإنسان يحترق ليشعر أنه حيّ، والبطلة تعزف لأنها لا تطيق الصمت. وهنا تظهر لمسة لاكان بوضوح في الرغبة لا تُروى، بل تستمرّ فقط في سعيها. فالبيت لا يشتعل مرة واحدة، بل يظلّ في حالة اشتعالٍ دائمة . لأن الرغبة نار لا تُطفأ بل تُحوَّل. فالكاتبة تفهم هذا ببراعة وتحوّله إلى جمال لغويّ هو نغمةٌ، شرارةٌ، رمادٌ، صمتٌ في كل مفردةٍ تعمل كمعادل نفسيّ لإيقاع الرغبة.
أما التحولات الكبرى في الرواية عندما نصل إلى المشهد الختامي، نجد أن البيت لا يحترق فعلياً . بل هو احتراق رمزي يتحول إلى ضوء. الضوء الذي يملأ النوافذ الأخيرة ليس وهج النار، بل إشراقة الوعي بعد العزف الطويل. هكذا تختم الرواية مسارها من العتمة إلى النغمة، من الكاز إلى الجاز، من الألم إلى الجمال. ومن هنا يمكن القول إن الرواية كلها هي تمرين في التحول الجمالي للألم ؟إذ كيف يصبح الجرح موسيقى، وكيف يتحول الوقود أو" الجاز"إلى لحنٍ يضيء الليل؟
أما من حيث البنية الرمزية، فإن النار هي الشخصية الحقيقية في الرواية.النار ليست مدمّرة فقط، بل خالقة أيضًا. إنها رمز التحول، التطهير، والبعث، كما في الأساطير القديمة حيث يولد الفينيق من رماده. وفي "بيت الجاز"، نرى أن البطلة تمرّ بهذه الدورة: احتراق، رماد، ثم نغمة جديدة. هذا الإيقاع الدائري يشبه دورة التحليل النفسي نفسها فالحريق هو الجرح، الرماد هو الوعي، والنغمة الجديدة هي الشفاء المؤقت. لكن لا شفاء نهائياً، لأن الإنسان، كما تقول الكاتبة في أحد المقاطع، "يولد من ناره كل يوم ثم يعود ليحترق من جديد" هكذا يصبح البيت ذاته طقساً تطهيرياً، والجاز وسيلة للتطهر عبر الألم، تماماً كما يرى يونغ أن “التحول لا يتم إلا في النار الداخلية”.
الرواية لا تحكي فقط قصة، بل تصنع تجربة شعورية ونفسية متكاملة، تجبر القارئ على مواجهة الرغبات المكبوتة، المخاوف الخفية، والانقسامات الداخلية، وكأن كل صفحة من صفحات النص الروائي هي مرآة لنار داخلية تتأجج في كل لحظة. هكذا، يصبح "بيت الجاز" أكثر من عنوان. إنه رمز للانفجار النفسي المراقب، للذات المتصدعة، وللشغف المكبوت، للغرفة التي تحترق داخلياً، وللكاز الذي لا يشتعل إلا حين يتم الاحتكاك بالعواطف الإنسانية العميقة. فهل الرواية هي جولة في النفس البشرية المشتعلة ؟ أم قراءة في الرموز والخفايا؟ وهل الرواية تنبض بالحياة والحرائق الداخلية؟
على هذا النحو، يتحول “بيت الجاز” إلى مختبرٍ للتحليل النفسي في صيغته الأدبية.كل شخصيةٍ ثانوية (الجار، الأم، الحبيب، وحتى القط الذي يختفي في منتصف الرواية) ليست سوى تجليات لأجزاء من اللاوعي الجمعي، تعمل مثل آلات موسيقية ضمن أوركسترا واحدة اسمها الذاكرة.الجار مثلاً يمثل الآخر اللاكاني وهو ذاك الذي نراه كي نكتشف أنفسنا من خلال انعكاسه. الأم تمثل الأصل، أو النار الأولى التي كوّنت اللغة. الحبيب الغائب هو المفقود الأبدي الذي يولّد كل نغمة. حتى القطّ هو بكاءٌ مؤجل في شكل كائن حيّ. فنشهد على اتضاح الرؤية.إذ لا شخصيات في هذا البيت، بل أصواتٌ داخلية، كلّها تبحث عن نغمة واحدة مفقودة، نغمة الطفولة، قبل أن يشتعل كل شيء.فهل يمكن القول إن “بيت الجاز” هو رواية عن الطاقة النفسية (libido) وهي تتحول إلى مادة قابلة للاشتعال، وهل كلّ انفعال عاطفي في الرواية يمكن قراءته كاشتعالٍ رمزي، وكل رغبة مكبوتة هي شرارة تنتظر.؟
بيروت \ لبنان\ في 8 تشرين الثاني الساعة الثامنة مساء 2025
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=892837&r=0&cid=0&u=&i=2776&q=