لوحات تعيدنا إلى مجد التراث والحس الفني السليم

يصون الفنان "إبراهيم الحميد" (ibrahim hamid) رؤاه الفنية من خلال إحياء النظرة التشكيلية المتعلقة بالتنوع الفني والبيئي وموارد الطبيعة المرتبطة بالجمال، ومفرداته التشكيلية ذات الحضارة والرموز والموروثات البيئية والثقافية. سواء في نظرته لقيم الجمال والآثار النابعة من مغزى تراثي أو لجمالية المرأة عبر التاريخ منذ الكهوف حتى عصرنا هذا، وهي في لوحاته جزء لا يتجزأ من البناء التاريخي في لوحات تعيدنا إلى مجد التراث والحس الفني السليم، وكأن "إبراهيم الحميد" يأخذنا في رحلات مع ريشته وألوانها المعتقة رغم توهجات الألوان، ويجعلنا نحلق مع رسوماته ومفاهيمها الفنية التي تشكل نظرة أنثروبولوجية تؤدي إلى الحفاظ على ما هو بيئي تراثي، ويتضمن الجمال في الطبيعة والحياة حيث تغمر الألوان تفاصيل كل شيء من حولنا، وترتسم في الطبيعة وعلى الصخور أجمل الرسومات. مما يضفي على النظرة الجمالية هوية فنية مختلفة يصونها الفنان "إبراهيم الحميد" من الاندثار، كأنه ينحت على جدران اللوحة تاريخًا معولمًا قديمًا مستحدثًا دون خمول في المضمون، بل! بتجدد وارتباط متين مع الجذور والإنسان ووجوده وخروج الجمال من قوقعة الماديات المحنطة إلى اللوحة المفتوحة بصريًا على عدة رؤى وتأويلات مجتمعية أممية عالمية، علائقية متميزة بمفهومها الإنساني قبل العربي أو الشرقي أو ببيئة الفنان وموطنه وأصوله، وعودته إلى الأرض التي خرج منها ويموت فيها، أو بالأحرى من التراب إلى التراب، لكن ضمن عدة ألوان يمر فيها منذ الولادة إلى الموت أو الولادة الثانية مكتفيًا بالرموز إلى العصور كافة، وإلى المرأة خاصة ومن ثم إلى التفاصيل الأخرى.

توفر لوحات "إبراهيم الحميد" أشكالًا جديدة من الرؤية التراثية للفن التشكيلي وارتباطه المنصهر مع إنجازات الحضارات كافة. إذ تضاعف وتختصر، وبتناقض اختزالي هو تمثيلات ثقافية لكل منها رؤيته المستقلة زمنيًا، وما بين الماضي والحاضر تخلق لوحاته جدلية تشكيلية تاريخية تؤدي إلى فهم الديناميات الحركية للتاريخ الإنساني على مر العصور، محولًا مواضيع لوحاته إلى عناصر الجذب، وفتح محاكاة بصرية للتعبير عن المجد التاريخي للفن وجماليته، ومواقفه من الحكايا والأساطير ورموزها، وتطورها المحافظ على أصالتها من حيث النظرة والتكوين ذي الخصائص التي تضفي طابع القيم الموروثة التي تحدد وجود الإنسان في الطبيعة منذ نشأته حتى مماته أو بالأحرى منذ وجوده حتى الآن. وبتتابع يتمثل مع تدرجات الألوان الباردة والنارية، وبالأصح هدوء الألوان الترابية واشتعالها، وبتنوع العناصر الفعالة في اللوحة من فراغات أو ظل أو أشكال تتخذ كل منها توليفات خاصة وفق معايير وتحولات هي إيقاعات تتناغم مع بعضها البعض وفق العوالم المشتركة مع اللوحة الفنية التراثية ذات التطلعات والابتكارات التي تضاعف من القيم الجمالية في الفن الذي يجمع بين الأثر والحداثة والإنسانية من خلال إعادة تدوير الرؤية للتراث الفني.

تكثيف لوني في اشتعالات بصرية محبوكة بحميمية، وإن هدأت بين الألوان الباردة أو الترابية. إلا أنها تفتح المساحات البصرية على مداها وتصارع الأزمنة في أمكنة هي جزء من تاريخ، وحقيقة في لوحة فنية تمتد أسطوريتها إلى العولمة المفتوحة الحضارات على الطين والكهوف، وخبايا النفس وسيكولوجية إظهار التاريخ بعمق وتفكر، وفهم للجمال ومنابعه عبر الحضارات المختلفة خاصة. المرأة الفرعونية أو الآشورية أو الفراتية وغيرها ضمن تغيراتها وحفاظها وتمسكها بتراثها ووجودها، وطبيعتها المحافظة على التوازن الجمالي والحركي المؤثر على طرائق فنية التراث في اللوحة وهويتها وتراثيتها من حيث البعد الفني والجمالي والصياغة المفتوحة الرؤى على الأبعاد والمساحات والأشكال والألوان واللغة التأملية بموردها الفني الحي المتلاحم مع الريشة أو استسلامه للذاكرة والريشة والمخزون الفكري أو المعرفي واهتماماته التي تفسح المجال لنهج يرتكز على الرموز لتراث متأصل في جذور بيئة الحميد، ونشأته وتطلعاته واتجاهاته، بغنى ثقافي يترجمه اللون بين الناري والترابي والتصوير التاريخي للوحة، ومزيج أسلوبها التشكيلي من منظور الفن التشكيلي وارتباطه بالماضي والحاضر واستخراج الشكل المستقبلي من ذلك حيث يحاول إبراهيم الحميد استخراج تراثيات الماضي من الحاضر، لتقريب المسافات وسد فجوات الزمن بالألوان والأشكال المختلفة ورمزيتها ودلالاتها. وقوة المنطق الجمالي في إبراز سمات الحضارات في الماضي والحاضر. فهل تسهم لوحاته في توسيع الرؤية الحضارية للفن التشكيلي في ظل العولمة، ومسألة العصور التراثية والهويات الفنية؟

اعمال الفنان “ابراهيم الحميدibrahim hamid من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره في جريدة المدى شباط 2019