الرؤية الاستشراقية المشبعة بالفن في أعمال الفنان الأمريكي جوردن كوتس

ضحى عبدالرؤوف المل

تتضح في أعمال الفنان “جوردون كوتس (Gordon Coutts)” الرؤيةُ الاستشراقيةُ المشبعةُ بالفن الأكثر واقعية، الذي يتيح تذوّق جماليات مؤثرة في الفن الغربي ونهجه الاستشراقي الذي يمجد التفاصيل الأكثر صعوبة، وهي الفن الذي ينتمي إلى حركة الاستشراق والحنين إلى الخيال المبني على حركة واقعية تتخذ من شكل الوجود الشرقي امتدادها المتخيل، بوصفها تلتقط التفاصيل بمرونة ريشة تشبه عدسة العين التي تعجز عن رؤية الشرق وأفراده، وبهذا سعى "جوردن كوتس" إلى رسم استشراقي هو تصوير ذو أسس فنية رؤيوية في الشكل والمضمون، وبملامح لونية داكنة في أبعادها من التكوين الداخلي إلى التعبير المنسجم مع الواقع والملتزم بالبورتريه وفضاءاته المكتملة تراثياً، والشغوفة بإظهار الأشكال المختلفة من الرسم، القادرة على التمثيل الفني لشخصيات يرسمها تحت تأثير شرقي جمالي، مركزاً على عدة مواضيع في لوحاته منها المرأة والرجل، والحاوي والحانوتي والعازف، واللباس والعادات والتقاليد الأكثر غرابة، كموضوع الشكل والألوان والاختلاف النسبي في الأزياء والسحر الشرقي الخارج من ريشة الغرب الفنية.

رجل يحمل العود بثياب توحي بدرويش متنقّل كعازف على وتر شرقي، وخلفه الباب الخشبي الأندلسي الشكل، وحاوي يحمل الثعابين بشكل غرائبي وفي أذنه القرط ذو الخرزة كساحر مغربي سمعنا عن حكاياته الكثير، متلاعباً في هذه اللوحة بالألوان الصحراوية أو الترابية التي تميل إلى الاصفرار محاولاً وضعنا في منطقة مغاربية خاصة، وفي لحظات يعتمدها السحرة أكثر من غيرها، بأسلوب ازدواجيّ الضوء والظل، وبتنوعه اللوني ذي التدرج الأقل كثافة متخذاً من الألوان الصحراوية رمزية شرقية أو بالأحرى لبلاد المغرب العربي المنصهرة في لوحاته الاستشراقية، ومغزاها الفني الذي يستند إلى التمثيلات الاستشراقية الفنية، وقوتها في تحقيق جذب الاهتمام والتركيز على الأبعاد الفنية وانعكاساتها الجمالية. إذ يسلط كوتس الضوء على المهن والعادات والأزياء والأمكنة والزخارف، ليكشف عن خلفيات شخصياته التي يغمرها بالغموض الجزئي الذي يحتاج لتحليل بصري غايته الكشف عن السحر الشرقي في لوحات المستشرقين الغنية بتفاصيل صغيرة بالمعنى، وكبيرة بالفن الذي يستكشف من خلاله الفنان والمتذوق النوع الإنساني في البورتريه وموضوعها الذي يربط بين الواقع والمتخيل، ومسألة الاستشراق في الفن التشكيلي.

تسافر ريشة "جوردن كوتس" إلى أماكن مختلفة لالتقاط التفاصيل التعبيرية في الشكل حيث الوجوه وتعقيداتها. إن الحريم أو المناظر الخلفية أو الحقيقة التي يصورها استشراقياً برمزيات مختلفة في تطلعاتها الفنية من حيث تآلف الألوان المضمخة بجمالية الرؤية الاستشراقية المؤثرة وجدانياً، القادرة على فتح آفاق التأملات للغوص في أعماق اللوحة المحمّلة بنفحة زمنية ذات محاكاة فنية تعج بالموتيفات الإيقاعية، والتشكّلات الضوئية المتباعدة في الظل والمتقاربة من زوايا الانعكاسات المفتوحة على عدة تأويلات زمنية، والمرتبطة بالبيئة الأكثر فقراً أو البساطة في العيش وعلاقة الإنسان الشرقي بذلك. فهو يفرض على لوحاته سلطة استشراقية معينة يتفرد بها من حيث المواضيع التي يطرحها في لوحاته البورتريه وأنماطها التي تكشف عن اهتماماته وتوجهاته المندهشة بالسحر المغربي العربي، والرسومات المشبعة بمساحات مفتوحة بصرياً على لذة الاستكشاف والتأمل بحميمية حيث الألوان التي تبعث على الدفء البصري والخيال الأكثر واقعية إلى حد كبير. لاعتبارات زمنية تدفع المتلقي نحو دراسة تنوع البيئات الاستشراقية في لوحات الفنان "جوردن كوتس" وتمثيلها الجمالي للإنسان الشرقي أو المغاربي واهتماماته بهذا النوع من الفن الذي يقودنا بصرياً إلى السوق الفني الاستشراقي وأهميته الكبرى في هذا المجال.

أعمال الفنان “جوردون كوتسGordon Coutts)”) من مجموعة متحف فرحات

ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com